وكفروها فلم يشكروها ، بل فعلوا في تلقيها فعل الحائر المدهوش ، فلم يحسنوا رعايتها ، وقل احتمالهم لحق النعمة فيها ، فطغوا في التقلب عند مصاحبتها وتكبروا بها ، وتمادوا في الغي قولا وفعلا ، من أجل ما عمهم من الرفاهية عن تقييدها وساء احتمالهم للغنى بها ، وطيب العيش فيها ، فأبطلوها بهذه الخصائل ، وأذهبوها هدرا من غير مقابل ، وذلك من قول أهل اللغة : البطر : الأشر ، وقلة احتمال النعمة ، والدهش والحيرة والطغيان بالنعمة ، والفعل من الكل كفرح ، وبطر الحق أن يتكبر عنه فلا يقبله ، وبطره كنصره وضربه : شقه ، والبطور : الصخاب الطويل اللسان ، والمتمادي في الغي ، وأبطره ذرعه : حمله فوق طاقته ، وذهب دمه بطرا - بالكسر ، أي هدرا وبطرهم لها أنهم عصوا من خولهم فيها ، فخالفوا أمره ، وأنساهم الكبر بما أعطاهم ذكره .
ولما تسبب عن هذا الإخبار تشوف النفس إلى آثار هذه الديار ، سبب عنه الإشارة بأداة البعد إلى منازلهم ، تنبيها على كثرتها وسهولة الوصول إليها في كل مكان ، لكونها بحيث يشار إليها وعلى بعد رتبتها في الهلاك دليلا على الجملة التي قبلها فقال :
فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ .
ولما كان المعنى أنها خاوية على عروشها وصل به قوله :
لَمْ تُسْكَنْ
أي من ساكن ما مختار أو مضطر . ولما كان المراد إفهام نفي قليل الزمان وكثيره ، أثبت الجار فقال :
مِنْ بَعْدِهِمْ
بعد أن طال ما تغالوا فيها ونمقوها ، وزخرفوها وزوقوها ، وزفوا فيها الأبكار ، وفرحوا بالأعمال الكبار ،
إِلَّا
سكونا
قَلِيلًا
بالمارة عليها ساعة من ليل أو من نهار ، ثم يصير تبابا موحشة كالقفار ، بعد أن كانت متمنعة القبا ، ببيض الصفاح وسمر القنا .
ولما صارت هذه الأماكن بعد الخراب لا متصرف فيها ظاهرا إلا اللّه ، ولا حاكم عليها فيما تنظره العيون سواه ، وكان هذا أمرا عظيما ، وخطبا جسيما ، لأنه لا فرق فيه بين جليل وحقير ، وصغير وكبير ، وسلطان ووزير ، دل على ضخامته بقوله مكررا لمظهر العظمة :
وَكُنَّا
أي أزلا وأبدا
نَحْنُ
لا غيرنا
الْوارِثِينَ *
لم يستعص علينا أحد وإن عظم ، ولا تأخر عن مرادنا لحظة وإن ضخم ، فليت شعري ! أين أولئك الجبارون وكيف خلا دورهم ، وعطل قصورهم ؟ المتكبرون أفنتهم واللّه كؤوس الحمام منوعة أشربة المصائب العظام ، وأذلتهم مصارع الأيام ، بقوة العزيز العلام ، فيا ويح من لم يعتبر بأيامهم ، ولم يزدجر عن مثل آثامهم .