من المال ، ما لم يخطر لأحد منهم في بال ، وقد صدق اللّه فيما قال كما تراه - ومن أصدق من اللّه قيلا .
ولما كان مجموع ما رزقهم في هذا الحرم من الأمن بأسبابه من الإسراع بإصابة من آذى فيه بأنواع العقوبات ، وجباية هذه الثمرات ، في غاية الغرابة في تلك الأراضي اليابسة الشديدة الحر ، المحفوفة من الناس بمن لا يدين دينا ، ولا يخشى عاقبة ، ولا له ملك قاهر من الناس يرده ، ولا نظام من سياسة العباد يمنعه ، عبر عنه سبحانه مع مظهر العظمة بلدن فقال :
رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا
أي من أبطن ما عندنا وأغربه ، لا صنع لأحد فيه كما تعلم ذلك كله أنت ومن أتبعك ومن فيه قابلية الهداية منهم ، وكل ذلك إنما هو لأجلك بحلولك في هذا الحرم مضمرا في الأصلاب ، ومظهرا في تلك أشعاب ، توطئة لنبوتك ، وتمهيدا لرسالتك ، ومتى غبت عنهم غاب عنهم ذلك كله وسينظرون .
ولما كان هذا الذي أبدوه عذرا عن تخلفهم عن الهدى يظنونه من نفائس العلم ، رده تعالى نافيا عمن لم يؤمن منهم جميع العلم الذي بنفيه ينتفي أن يكون هذا الفرد علما ، فقال في أسلوب التأكيد لذلك :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
أي أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له
لا يَعْلَمُونَ *
أي ليس لهم قابلية للعمل حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك بترتيب أسبابه حتى تمكن ذلك وتم فلا قدرة لأحد على تغييره ، وإنا قادرون على أن نمنعهم - إذا تابعوا أمرنا - ممن يريدهم ، بل نسلطهم على كل من ناواهم ، كقدرتنا على ما مكنا لهم وهو خارج عن القياس على ما يقتضيه عقول الناس ، وإنا قادرون على سلب ذلك كله عنهم لإصرارهم على الكفر ، ولا بد أن نذيقهم ذلك أجمع بعد هجرتك ليعلموا أنه إنما نالهم ذلك ببركتك ، ولو علموا ذلك لشكروا ، ولكنهم جهلوا فكفروا ، ولذلك أنذروا
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ .
ولما أخبر تعالى أنه قادر على التأمين والإنجاء والتمكين مع الضعفة ، أتبعه الإعلام بقدرته على الإخافة والإهلاك مع القوة ، ترغيبا لهم - إن آمنوا - بإهلاك أضدادهم ، وترهيبا - إن أصروا - من المعاملة بعكس مرادهم ، فقال في مظهر العظمة عاطفا على معنى الكلام :
وَكَمْ أَهْلَكْنا
ويجوز أن يكون حالا من ضمير نمكن أي فعلنا بهم ما ذكرنا من النعمة مع ضعفهم وعجزهم ، والحال أنا كثيرا ما أهلكنا الأقوياء ، وأشار إلى تأكيد التكثير مع تمييز المبهم بقوله :
مِنْ قَرْيَةٍ ،
وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله :
بَطِرَتْ مَعِيشَتَها
أي وقع منها البطر في زمان عيشها الرخي الواسع ، فكان حالهم كحالكم في الأمن وإدرار الرزق ، فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم ، ومعنى بطرهم لها أنهم شقوها بمجاوزة الحد في المرح ، والأشر والفرح ، إلى أن تعدوها فأفسدوها