ولما كانت هذه إشارات عالية ، وما بعدها لزوم نظوم لأوضح الدلالات حاوية ، قال مشيرا إلى عظمتها :
تِلْكَ
أي الآيات العالية الشأن
آياتُ الْكِتابِ
أي المنزل على قلبك ، الجامع لجميع المصالح الدنيوية والأخروية
الْمُبِينِ *
أي الفاصل الكاشف الموضح المظهر ، لأنه من عندنا من غير شك ، ولكل ما يحتاج إليه من ذلك وغيره ، عند من يجعله من شأنه ويتلقاه بقبول ، ويلقي إليه السمع وهو شهيد ؛ ثم أقام الدليل على إبانته . وأنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ، بما أورد هنا في قصة موسى عليه الصلاة والسّلام من الدقائق التي قل من يعلمها من حذاقهم ، على وجه معلم بما انتقم به من فرعون وآله ، ومن لحق بهم كقارون ، وأنعم به على موسى عليه الصلاة والسّلام وأتباعه ، ولذلك بسط فيها من أمور القصة ما لم يبسط في غيرها فقال :
نَتْلُوا
أي نقص قصا متتابعا متواليا بعضه في أثر بعض
عَلَيْكَ
بواسطة جبريل عليه الصلاة والسّلام .
ولما كان المراد إنما هو قص ما هو من الأخبار العظيمة بيانا للآيات بعلم الجليات والخفيات ، والمحاسبة والمجازاة ، لا جميع الأخبار ، قال :
مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ
أي بعض خبرهما العظيم متلبسا هذا النبأ وكائنا
بِالْحَقِّ
أي الذي يطابقه الواقع ، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند وقوعه ، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولى الإذعان بقوله :
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *
أي يجددون الإيمان في كل وقت عند كل حادثة لثبات إيمانهم ، فعلم أن المقصود منها هنا الاستدلال على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الأمي بالاطلاع على المغيبات ، والتهديد بعلمه المحيط ، وقدرته الشاملة ، وأنه ما شاء كان ولا مدفع لقضائه ، ولا ينفع حذر من قدره ، فصح أنها دليل على قوله تعالى آخر تلك
سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها
الآية ، ولذلك لخصت رؤوس أخبار القصة ، فذكرت فيها أمهات الأمور الخفية ، ودقائق أعمال من ذكر فيها من موسى عليه الصلاة والسّلام وأمه وفرعون وغيرهم إلى ما تراه من الحكم التي لا يطلع عليها إلا عالم بالتعلم أو بالوحي ، ومعلوم لكل مخاطب بذلك انتفاء الأول عن المنزل عليه هذا الذكر صلّى اللّه عليه وسلّم ، فانحصر الأمر في الثاني ، يوضح لك هذا المرام مع هذه الآية الأولى التي ذكرتها قوله تعالى في آخر القصة
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ
واتباع القصة بقوله تعالى :
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
فالمراد بهذا السياق منها كما ترى غير ما تقدم من سياقاتها كما مضى ، فلا تكرير في شيء من ذلك - واللّه الهادي . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمن قوله سبحانه
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ
الَّذِي حَرَّمَها
- إلى آخر السورة من التخويف والترهيب والإنذار والتهديد لما