ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة : المبدأ والمعاد والنبوة ، ومقدمات القيامة وأحوالها ، وبعض صفتها وما يكون من أهوالها ، وذلك كمال ما يتعلق بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب ، مرهبة أعظم ترهيب ، أوجب هذا الترغيب والترهيب لكل سامع أن يقول : فما الذي نعمل ومن نعبد ؟ فأجابه المخاطب بهذا الوحي . المأمور بإبلاغ هذه الجوامع ، الداعي لمن سمعه ، الهادي لم اتبعه ، بأنه يرضى له ما رضي لنفسه ، وهو ما أمره به ربه ، فقال :
إِنَّما أُمِرْتُ
أي بأمر من لا يرد له أمر ، ولا يعد أن يكون بدلا من قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى
فيكون محله نصبا بقل ، وعظم المأمور به بإحلاله محل العمدة فقال :
أَنْ أَعْبُدَ
أي بجميع ما أمركم به
رَبَّ
أي موجب ومدبر وملك ؛ وعين المراد وشخصه وقربه تشريفا وتكريما بقوله :
هذِهِ الْبَلْدَةِ
أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها ، ثم تؤمن أهل السعادة ، أخصه بذلك لا أعبد شيئا مما عدلتموه به سبحانه وادعيتم أنهم شركاء ، وهم من جملة ما خلق ؛ ثم وصف المعبود الذي ما أمر بعبادة أحد غيره بما يقتضيه وصف الربوبية ، وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة القرب لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي تخرج الدابة منها ، فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف أنها مكة ، فقال :
الَّذِي حَرَّمَها
تذكيرا لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته لهم بأن أسكنهم خير بلاده ، وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده ، بما ألقى في القلوب من أنها حرم ، لا يسفك بها دم ، ولا يظلم أحد ، ولا يباح بها صيد ، ولا يعضد شجرها ، وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم وهم آمنون لا ينالهم شيء من فزعهم وهولهم .
ولما كانت إضافتها إليه إنما هي لمحض التشريف ، قال احتراسا عما لعله يتوهم :
وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ
أي من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقا وملكا وملكا ، وليس هو كالملوك الذين ليس لهم إلا ما حموه على غيرهم .
ولما كانوا ربما قالوا : ونحن نعبده بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى ، عين الدين الذي تكون به العبادة فقال :
وَأُمِرْتُ
أي مع الأمر بالعبادة له وحده ، وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه موضع الفاعل فقال :
أَنْ أَكُونَ
أي كونا هو في غاية الرسوخ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ *
أي المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد ، ثابتا على ذلك غاية الثبات .