تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
داخِرِينَ *
أي صاغرين منكسرين ؛ واستغنى عن التصريح به بما يعلم بالبديهة من أنه لا يمكن إتيانهم في حال فزعهم الذي هو كناية عن بطلان إحساسهم ، هذا معنى ما قاله كثير من المفسرين والذي يناسب سياق الآيات الماضية - من كون الكلام في يوم القيامة الذي هو ظرف لما بين البعث ودخول الفريقين إلى داريهما - أن يكون هذا النفخ بعد البعث وبمجرد صعق هو كالغشي كما أن حشر الأفواج كذلك ، ويؤيده التعبير بالفزع ، ويكون الإتيان بعده بنفخة أخرى تكون بها الإقامة ، فهاتان النفختان حينئذ هما المراد من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يصعق الناس يوم القيامة » - الحديث « 1 » ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء اللّه تعالى لفظا ومعنى ، ويحل ما فيه من إشكال في آخر سورة الزمر . ولما ذكر دخورهم ، تلاه بدخور ما هو أعظم منهم خلقا ، وأهول أمرا ، فقال : عاطفا على ناصب الظرف مما تقديره : كانت أمور محلولة ، معبرا بالمضارع لأن ذلك وإن شارك الفزع في التحقق قد فارقه في الحدوث والتجدد شيئا فشيئا :
وَتَرَى الْجِبالَ
أي عند القيام من القبور ، والخطاب إما للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليدل ذلك - لكونه صلّى اللّه عليه وسلّم أنفذ الناس بصرا وأنورهم بصيرة - على عظم الأمر ، وإما لكل أحد لأن الكل صاروا بعد قيامهم أهلا للخطاب بعد غيبتهم في التراب
تَحْسَبُها جامِدَةً
أي قائمة ثابتة في مكانها لا تتحرك ، لأن كل كبير متباعد الأقطار لا يدرك مشيته إلا تخرصا
وَهِيَ تَمُرُّ
أي تسير حتى تكون كالعهن المنفوش فينسفها اللّه فتقع حيث شاء كأنها الهباء المنثور ، فتستوي الأرض كلها بحيث لا يكون فيها عوج ، وأشار إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثا بقوله :
مَرَّ السَّحابِ
أي مرا سريعا لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا طبق الجو لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإن لم تنكشف الشمس بلا لبس ، وكذا كل كبير الجرم أو كثير العد يقصر عن الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه بكثرته البصر ، يكون سائرا ، والناظر الحاذق يظنه واقفا . ولما كان ذلك أمرا هائلا ، أشار إلى عظمته بقوله ، مؤكدا لمضمون الجملة المتقدمة :
صُنْعَ اللَّهِ
أي صنع الذي له الأمر كله ذلك الذي أخبر أنه كائن في ذلك اليوم صنعا ، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقب كلام جاء كالشاهد بصحته ، والمنادي على سداده ، والصارخ بعلو مقداره ، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا هكذا ، ثم زاد في التعظيم بقوله دالا على تمام الإحكام في ذلك الصنع :
الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ .
ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن ، والنظام الأمكن ، أنتج قطعا قوله :
إِنَّهُ
هامش
( 1 ) يخرّج في موضعه بإذن اللّه فيما سيأتي .