عن يمين الخارج في وسط ذلك ، فارفض الناس عنها وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا اللّه فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب ، فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ، ولا يعجزها هارب ، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة ، فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان ! الآن تصلي ، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه ، فيتجاور الناس في ديارهم ، ويصطحبون في أسفارهم ، ويشتركون في الأموال ، يعرف الكافر من المؤمن ، فيقال للمؤمن : يا مؤمن ، ويقال للكافر : يا كافر » « 1 » ؛ ومن طريق الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « تخرج الدابة ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان عليهما السّلام ، فتجلو وجه المؤمن بالعصا ، وتخطم أنف الكافر بالخاتم ، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا : يا مؤمن ، وهذا : يا كافر » « 2 » .
ثم علل سبحانه إخراجه لها بقوله :
أَنَّ النَّاسَ
أي بما هم ناس لم يصلوا إلى أول أسنان الإيمان ، وهو سن
الَّذِينَ آمَنُوا *
بل هم نائسون مترددون مذبذبون تارة ، وتارة
كانُوا
أي كونا هو لهم كالجبلة
بِآياتِنا
أي المرئيات التي كتبناها بعظمتنا في ذوات العالم ، والمسموعات المتلوات ، التي أتيناهم بها على ألسنة أكمل الخلق : الأنبياء والرسل ، حتى ختمناهم بإمامهم الذي هو أكمل العالمين ، قطعا لحجاجهم ، وردا عن لجاجهم ، ولذا عممنا برسالته وأوجبنا على جميع العقل أتباعه
لا يُوقِنُونَ *
من اليقين ، وهو إتقان العلم بنفي الشبه ، بل هم فيها مزلزلون ، فلم يبق بعده صلّى اللّه عليه وسلّم إلا كشف الغطاء عما ليس من جنس البشر بما لا تثبت له عقولهم .
ولما كان من فعل الدابة التمييز بين المؤمن والكافر بما لا يستطيعون دفعه ، تلاه بتمييز كل فريق منهما عن صاحبه يجمعهم يوم القيامة في ناحية ، وسوقهم من غير اختلاط بالفريق الآخر ، فقال عاطفا على العامل في « وإذا وقع القول » :
وَيَوْمَ نَحْشُرُ
أي نجمع - بما لنا من العظمة - على وجه الإكراه ؛ قال أبو حيان : الحشر : الجمع على عنف
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً
أي جماعة كثيرة
مِمَّنْ يُكَذِّبُ
أي يوقع التكذيب للهداة
هامش
( 1 ) أخرجه البغوي 3 / 367 . 368 من حديث أبي شريحة الأنصاري مطولا وإسناده غير قوي لأجل الثعلبي المفسر لكن الحديث حسن في الشواهد .
( 2 ) أخرجه أحمد 2 / 295 و 491 عن أبي هريرة رضي اللّه عنه وإسناده ضعيف علي بن يزيد وأوس ضعيفان ، ومن نفس الطريق أخرجه الترمذي 3187 وابن ماجة 4066 . وأخرجه أحمد من حديث أبي أمامة 5 / 268 وفيه ضعف . وأخرج ابن ماجة 4067 وأحمد 5 / 357 عن بريدة في مكان الدابة الذي تخرج منه من البادية حدده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه خالد بن عبيد متروك .