تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
ولما كان ذلك باهرا للعقل منبها له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه ، وبديع اختياره ، وصل به قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي الأمر العظيم من الإنبات ، وما تقدمه من العظات على كثرته
لَآيَةً
أي علامة عظيمة جدا لهم على تمام القدرة على البعث وغيره ، كافية في الدعاء إلى الإيمان ، والزجر عن الطغيان ، ولعله وحّدها على كثرتها إشارة إلى أن الدوالّ عليه متساوية الأقدام في الدلالة ، فالراسخون تغنيهم واحدة ، وغيرهم لا يرجعون لشيء
وَ
الحال أنه
ما كانَ
في الشاكلة التي خلقتهم عليها
أَكْثَرُهُمْ
أي البشر
مُؤْمِنِينَ *
أي عريقين في الإيمان ، لأنه « ما يؤمن أكثرهم باللّه إلا وهم مشركون »
وَإِنَّ
أي والحال أن
رَبَّكَ
أي الذي أحسن إليك بالإرسال ، وسخر لك قلوب الأصفياء ، وزوى عنك اللد الأشقياء
لَهُوَ .
ولما كان المقام لإنزال الآية القاهرة ، قدم قوله :
الْعَزِيزُ
أي القادر على كل من قسرهم على الإيمان والانتقام منهم
الرَّحِيمُ *
في أنه لم يعاجلهم بالنقمة ، بل أنزل عليهم الكتاب ترفقا بهم ، وبيانا لما يرضاه ليقيم به الحجة على من أريد للهوان ، ويقبل بقلوب من يختصه منهم للإيمان ، قال أبو حيان : والمعنى أنه عز في نقمته من الكفار ، ورحم مؤمني كل أمة - انتهى . ومن هنا شرع سبحانه وتعالى في تمثيل آخر الفرقان في إظهار القدرة بالبطش عند النقمة حيث لم يشكر النعمة بأن أبى المدعو الإجابة لدعوة الرسل ، وترك الداعي - عقب الانقياد من الشدائد - التضرع للمرسل ، وقص أخبار الأمم على ما هي عليه بحيث لم يقدر أحد من أهل الكتاب الذين هم بين ظهرانيهم على إنكار شيء من ذلك ، ومن ثم قرع أسماعهم ، أول شيء بقصتهم من فرعون ، وموسى عليه السّلام ، فصح قطعا أن هذا الكتاب جلي الأمر ، على القدر ، ليس بكهانة ، ولا شعر ، كما سيؤكد ذلك عند إظهار النتيجة في آخرها ، بل هو من عند رب العالمين ، على لسان سيد المرسلين ، وصح أن أكثر الخلق مع ذلك هالك وإن قام الدليل . ووضح السبيل . لأن سلك الذكر في قلوبهم شبيه في الضيق بنظم السهم فيما يرمى به ، وصح أنه سبحانه يملي لهم وينعم عليهم بما فيه حياة أديانهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وما فيه حياة أبدانهم بالإيتاء من كل ما يحتاجونه إظهارا لصفة الرحمة . ثم ينتقم منهم بعد طول المهلة ، وتماديهم في سكرات الغفلة ، كشفا لصفة العزة ، كل ذلك تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وتخفيفا وإعلاما بأنه لا قصور في بيانه ، ولا تقصير لديه . ولما اقتضى وصف العزة الإهلاك ، ووصف الرحمة الإمهال ، وكان الأول مقدما ، وكانت عادتهم تقديم ما هم به أهم ، وهو لهم أعنى ، خيفت غائلته ، فأتبع ذلك أخبار هذه الأمم ، دلالة على الوصفين معا ترغيبا وترهيبا ، ودلالة على أن الرحمة سبقت