تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر ، فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين : عذبا وملحا ، وخلط ماء الذكر بماء الأنثى متى أراد فصور منه آدميا ، ومنعه من ذلك إذا أراد ، كما أنه ميز بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة
وَكانَ رَبُّكَ
أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك
قَدِيراً *
على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة واحدة فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق ، سهل الأخلاق ، ويخذل من يشاء فيجعله مرير الأخلاق كثير الشقاق ، أو ملتبس الأخلاق ، عريقا في النفاق ، فارغب إلى هذا الرب الشامل القدرة ، التام العلم . ولما أثبت له بهذه الأدلة القدرة على كل شيء ، قال معجبا منهم في موضع الحال من « ربك » عودا إلى تهجين سيرتهم في عبادة غيره ، معبرا بالمضارع ، إشارة إلى أنهم لو فعلوا ذلك مرة لكان في غاية العجب ، فكيف وهو على سبيل التجديد والاستمرار ؟ ومصورا لحالهم زيادة في تبشيعها :
وَيَعْبُدُونَ
أي الكفرة
مِنْ دُونِ
أي ممن يعلمون أنه في الرتبة دون
اللَّهِ
المستجمع لصفات العظمة ، بحيث إنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده . ولما كان هذا السياق لتعداد نعمه سبحانه ، وكان الحامل للإنسان على الإذعان رجاء الإحسان ، أو خوف الهوان ، وكان رجاء الإحسان مقبلا به إلى المحسن في السر والإعلان ، قدم النفع فقال :
ما لا يَنْفَعُهُمْ
أي بوجه . ولما كان الخوف إنما يوجب الإقبال ظاهرا فقط ، أتبعه قوله :
وَلا يَضُرُّهُمْ
أي أصلا في إزالة نعمة من نعم اللّه عنهم ، فلا أسخف عقلا ممن يترك من بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه ، في يقظته ونومه ، وأمسه ويومه ، ويقبل على من لا نفع بيده ولا ضر أصلا ؛ وأظهر في موضع الضمير بيانا للوصف الحامل على ما لا يفعله عاقل ، وأفرد تحقيرا لهم فقال :
وَكانَ الْكافِرُ
مع علمه بضعفه وعجزه . ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسلما ما دام كافرا ، وكانت مصافاته لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة ، عدت مصارمته لغيره عدما ، فكانت مصارمته خاصة بأولياء اللّه ، وكان ذلك أشد لذمه ، دل عليه بتقديم الجار فقال :
عَلى رَبِّهِ
أي المحسن إليه لا غيره
ظَهِيراً *
معينا لشياطين الإنس والجن على أولياء اللّه ، والتعبير ب « على » دال على أنه وإن كان مهينا في نفسه حقيرا فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب له ، المعين عليه ، من قولهم : ظهر الأرض لما علا منها وغلظ ، وأمر ظاهر لك ، أي غالب ، والظاهر : القوي والمعين ، وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان