أعادها بعد ذكرها بالتسبيح تصريحا بها تأكيدا لها وحثا على حفظ وقتها لأنه من جملة مقوماتها وكذا جميع حدودها ولو بأوجز ما يكون من أدنى الكمال - بما أشار إليه حرف التاء إشعارا بأن هذا المدح لا يتوقف على أنهى الكمال
وَ
لا عن
إِيتاءِ الزَّكاةِ
التي هي زكاء الأشباح ونماؤها ، وخص الرجال مع أن حضور النساء المساجد سنة شهيرة ، إشارة إلى أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لما روى أبو داود في سننه وابن خزيمة في صحيحه عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها » « 1 » . والمخدع : الخزانة . وللإمام أحمد والطبراني وابن خزيمة والحاكم عن أم سلمة رضي اللّه عنها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : خير مساجد النساء قعر بيوتهن « 2 » . ولأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضي اللّه عنهما أنها قالت : يا رسول اللّه ! إني أحب الصلاة معك ، قال : قد علمت أنك تحبين الصلاة معي ، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي » ، قال : فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيتها وأظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى لقيت اللّه عز وجل « 3 » .
ولما وصف الرجال المذكورين بما وصفهم به ، ذكر علة فعلهم لذلك زيادة في مدحهم فقال :
يَخافُونَ يَوْماً
وهو يوم القيامة ، هو بحيث
تَتَقَلَّبُ فِيهِ
أي لشدة هوله ، تقلبا ظاهرا - بما أشار إليه إثبات التاءين
الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ *
أي بين طمع في النجاة ، وحذر من الهلاك ، ويمكن أن يقال : المشاكي - واللّه أعلم - هي المساجد ، والزجاج هي الرجال ، والمصابيح هي القلوب ، وتلألؤها ما تشتمل عليه من المعاني الحاملة على الذكر ، والشجرة الموصوفة هي مثال الأبدان ، التي صفاها اللّه من الأدران ، وطبعها على الاستقامة ، والزيت مثال لما وضع سبحانه فيها من جميل الأسرار ، وقد ورد في بعض الأخبار أن المساجد لأهل السماوات كالنجوم لأهل الأرض ، وفي معجم
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 570 وابن خزيمة 1690 والحاكم 1 / 209 من حديث عبد اللّه بن مسعود .
( 2 ) أخرجه ابن خزيمة 1683 والحاكم 1 / 209 وأبو يعلى 7025 وأحمد 6 / 297 من حديث أم سلمة .
وذكره الهيثمي في المجمع 2 / 33 وقال : فيه ابن لهيعة ، وفيه كلام اه وفيه أيضا مولى أم سلمة لم يوثقه سوى ابن حبان واللّه أعلم . وقد نسبه في المجمع 2 / 154 إلى الطبراني في الكبير .
( 3 ) أخرجه ابن خزيمة 1689 وابن حبان 217 والطبراني 25 / ( 356 ) والبيهقي 3 / 132 . 133 وأحمد 6 / 371 من حديث أم حميد .