ولما كان الزيت يختلف باختلاف شجرته في احتجابها عن الشمس وبروزها لها ، لأن الشجر ربما ضعف وخبث ثمره بحائل بينه وبين الشمس ، بين أن هذه الشجرة ليست كذلك فقال :
لا شَرْقِيَّةٍ
أي ليست منسوبة إلى الشرق وحده ، لكونها بحيث لا يتمكن منها الشمس إلا عند الشروق لكونها في لحف جيل يظلها إذا تضيفت الشمس للغروب
وَلا غَرْبِيَّةٍ
لأنها في سفح جبل يسترها من الشمس عند الشروق ، بل هي بارزة للشمس من حين الشروق إلى وقت الغروب ، ليكون ثمرها أنضج فيكون زيته أصفى ، قال البغوي : هذا قول ابن عباس رضي اللّه عنهما في رواية عكرمة والكلبي والأكثرين . فهي لزكاء عنصرها ، وطهارة منبتها ، وبروزها للشمس والرياح ، بحيث
يَكادُ زَيْتُها
لشدة صفائه
يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ .
ولما علم من هذا أن لهذا الممثل به أنوارا متظاهرة بمعاونة المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت ، فلم يبق مما يقوي نوره ويزيده إشراقا ، ويمده بإضاءة نقية ، قال في الممثل له :
نُورٌ عَلى نُورٍ
أي أن العلم الرباني عظيم الاتساع كلما سرحت فيه النظر ، وأطلقت عنان الفكر ، أتى بالغرائب ولا يمكن أن يوقف له على حد .
ولما كان الإخبار عن مضاعفة هذا النور موجبا لاعتقاد أنه لا يخفى عن أحد ، أشار إلى أنه - بشمول علمه وتمام قدرته - يعمى عنه من يريد مع شدة ضيائه ، وعظيم لألائه ، فقال :
يَهْدِي اللَّهُ
أي بعظمته المحيطة بكل شيء
لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
كما هدى اللّه من هدى من المؤمنين لتبرئة عائشة رضي اللّه عنها قبل إنزال براءتها . بكون اللّه اختارها لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يختار له إلا طيبا طاهرا وما شاكل ذلك ، وعلم أن قسيم ذلك « ويضل اللّه عن نوره من يشاء » وعلم أن وجه كونه ضل عنه أكثر الناس إنما هو ستر القادر له بنقص في حس من يريد سبحانه إضلاله ، لا لنقص في النور كما قال الشاعر :
والنجم تستصغر الأبصار صورته * فالذنب للطرف لا للنجم في الصغر
كما سيأتي إيضاح ذلك عند قوله تعالى
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : 25 ] ، ومر آنفا في حديث علي رضي اللّه عنه في الأرواح ما ينفع ههنا .
ولما كان كأنه قيل : ضرب اللّه هذا المثل لكم لتدبروه فتنتفعوا به ، عطف عليه قوله :
وَيَضْرِبُ اللَّهُ
أي بما له من الإحاطة بكمال القدرة وشمول العلم
الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ
لعلمه بها ، تقريبا للأفهام ، لعلهم يهتدون
وَاللَّهُ
أي الذي له جميع صفات الكمال
بِكُلِّ شَيْءٍ
أي منها ومن غيرها
عَلِيمٌ *
يبين كل شيء بما يسهل سبيله فثقوا بما يقول ، وإن لم تفهموه فاتهموا أنفسكم وأمعنوا النظر فيه يفتح لكم سبحانه ما انغلق منه .