[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 36 إلى 39 ]
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 )
ولما كان كأنه قيل : فأيّ شيء يكون هذه المشكاة ؟ قال شافيا على هذا السؤال :
فِي بُيُوتٍ
أي في جدران بيوت ، فجمع دلالة على أن المراد بالمشكاة الجنس لا الواحد ، وفي وحدتها ووحدة آلات النور إشارة إلى عزته جدا
أَذِنَ اللَّهُ
أي مكن بجلاله فأباح وندب وأوجب
أَنْ تُرْفَعَ
حسا في البناء ، ومعنى بإخلاصها للعمل الصالح ، من كل رافع أذن له سبحانه في ذلك ، فعلى المرء إذا دخلها أن يتحصن من العدو بما رواه أبو داود عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان إذا دخل المسجد قال : « أعوذ باللّه العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم ، من الشيطان الرجيم » قال عقبة بن مسلم : فإذا قال ذلك قال الشيطان : حفظ مني سائر يوم « 1 » .
وَيُذْكَرَ
من كل ذاكر أذن له سبحانه
فِيهَا اسْمُهُ
أي ذكرا صافيا عن شوب ، وخالصا عن غش
يُسَبِّحُ
أي يصلي وينزه
لَهُ
أي خاصة
فِيها بِالْغُدُوِّ
أي الإبكار ، بصلاة الصبح
وَالْآصالِ *
أي العشيات ، ببقية الصلوات ، فيفتحون أعمالهم ويختمونها بذكره ليحفظوا فيما بين ذلك ويبارك لهم فيما يتقلبون فيه ، وجمع الأصيل لتحقق أن المراد الظهر والعصر والمغرب والعشاء ؛ قال البغوي : لأن اسم الأصيل يجمعها .
رِجالٌ
أيّ رجال
لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ
أي ببيع أو شرى أو غيرهما ، يظهر لهم فيها ربح .
ولما كان الإنسان قد يضطر إلى الخروج بالبيع عن بعض ما يملك للاقتيات بثمنه أو التبلغ به إلى بعض المهمات التي لا وصول له إليها إلا به ، أو بتحصيل ما لا يملك كذلك مع أن البيع في التجارة أيضا هو الطلبة الكلية لأنه موضع تحقق الربح الذي لا صبر عنه ، قال :
وَلا بَيْعٌ
أي وإن لم يكن على وجه التجارة ، والبيع يطلق بالاشتراك على التحصيل الذي هو الشرى وعلى الإزالة
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
أي الذي له الجلال والإكرام مطلقا بصلاة وغيرها ، فهم في كل وقت في شهود ومراقبة لمن تعرف إليهم بصفات الكمال
وَ
لا يلهيهم ذلك عن
إِقامِ الصَّلاةِ
التي هي طهرة الأرواح ،
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 466 من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص .