مما كنتم تفعلونه من الدخول بغير إذن ومن تحية الجاهلية ، لأنكم إذا دخلتم بغير إذن ربما رأيتم ما يسوءكم ، وإذا استأذنتم لم تدخلوا على ما تكرهون ، هذا في الدنيا ، وأما في الأخرى فأعظم ، وقد روى أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه : إذا سلم ثلاثا فلم يجبه أحد فليرجع . وكان هذا إذا ظن أن صاحب البيت سمع .
ولما كان كل إنسان لا ينفك عن أحوال يكره أن يطلع عليها أو تقطع عليه ، قال :
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *
أي لتكون حالكم حال من يرجى أن يتذكر برجوعه إلى نفسه عند سماع هذا النهي ، فيعرف أن ما يسوءه من غيره يسوء غيره منه ، فيفعل ما يجب أن يفعل معه خوفا من المقابلة ، لأن الجزاء من جنس العمل ، وكل ما يجب عليه في غير بيته يستحب له في بيته بنحو النحنحة ورفع الصوت بالذكر ونحوه على ما أشار إليه حديث النهي عن الطروق لكيلا يرى من أهله ما يكره . « 1 »
ولما كان السكان قد يكونون غائبين ، والإنسان لكونه عورة لا يحب أن يطلع غيره على جميع أموره ، قال :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها
أي البيوت التي ليس بها سكناكم
أَحَداً
قد يمنعكم ، فاللّه يمنعكم منها ، تقديما لدرء المفاسد
فَلا تَدْخُلُوها
أي أبدا
حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ
من آذن ما بإذن شرعي من الساكن أو غيره ، لأن الدخول تصرف في ملك الغير أو حقه فلا يحل بدون إذنه . ولما كان كأنه قيل : فإن أذن لكم في شيء ما استأذنتم فيه فأدخلوا ، عطف عليه قوله :
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ
من قائل ما إذا استأذنتم في بيت فكان خاليا أو فيه أحد :
ارْجِعُوا فَارْجِعُوا
أي ولا تستنكفوا من أن تواجهوا بما تكرهون من صريح المنع ، فإن الحق أحق أن يتبع ، وللناس عورات وأمور لا يحبون اطلاع غيرهم عليها .
ولما كان في المنع نقص يوجب غضاضة ووحرا في الصدر ، وعد سبحانه عليه بما يجبر ذلك ، فقال على طريق الاستئناف :
هُوَ
أي الرجوع المعين
أَزْكى
أي أطهر وأنمى
لَكُمْ
فإن فيه طهارة من غضاضة الوقوف على باب الغير ، ونماء بما يلحق صاحب البيت من الاستحياء عند امتثال أمره في الرجوع مع ما في ذلك عند اللّه .
ولما كان التقدير : فاللّه يجازيكم على امتثال أمره ، وكان الإنسان قد يفعل في البيوت الخالية وغيرها من الأمور الخفية ما يخالف ما أدب به سبحانه مما صورته مصلحة وهو مفسدة ، عطف على ذلك المقدر قوله :
وَاللَّهُ
أي الملك الأعلى . ولما
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 3 / 299 و 302 والبخاري 5243 ومسلم 185 وأبو داود 2776 والترمذي 2712 والدارمي 2 / 275 من حديث جابر ولفظه : « نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطرق المرء أهله ليلا » .