على كثرة الأعمال أو على عموم الوزن لكل فرد
هُمُ الْمُفْلِحُونَ *
لأنهم المؤمنون الموصوفون
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ
لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان
فَأُولئِكَ
خاصة
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال ؛ ثم علل ذلك أو بينه بقوله :
فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ *
وهي دار لا ينفك أسيرها ، ولا ينطفئ سعيرها ؛ ثم استأنف قوله :
تَلْفَحُ
أي تغشى بشديد حرها وسمومها ووهجها
وُجُوهَهُمُ النَّارُ
فتحرقها فما ظنك بغيرها
وَهُمْ فِيها كالِحُونَ *
أي متقلصو الشفاه عن الأسنان مع عبوسة الوجوه وتجعدها وتقطبها شغل من هو ممتلئ الباطن كراهية لما دهمه من شدة المعاناة وعظيم المقاساة في دار التجهم ، كما ترى الرؤوس المشوية ، ولا يناقض نفي التساؤل هنا إثباته في غيره لأنه في غير التناصر بل في التلاوم والتعاتب والتخاصم على أن المقامات في ذلك اليوم طويلة وكثيرة ، فالمقالات والأحوال لأجل ذلك متباينة وكثيرة ، وسيأتي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في سورة الصافات نحو ذلك .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 105 إلى 110 ]
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 ) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 )
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 )
ولما جرت العادة بأن المعذب بالفعل يضم إليه القيل ، أجيب من قد يسأل عن ذلك بقوله :
أَ لَمْ
أي يقال لهم في تأنيبهم وتوبيخهم : ألم
تَكُنْ آياتِي
التي انتهى عظمها إلى أعلى المراتب بإضافتها إليّ . ولما كان مجرد ذكرها كافيا في الإيمان ، نبه على ذلك بالبناء للمفعول :
تُتْلى عَلَيْكُمْ
أي تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئا فشيئا .
ولما كانت سببا للإيمان فجعلوها سببا للكفران ، قال :
فَكُنْتُمْ
أي كونا أنتم عريقون فيه
بِها تُكَذِّبُونَ *
وقدم الظرف للإعلام بمبالغتهم في التكذيب ؛ ثم استأنف جوابهم بقوله :
قالُوا رَبَّنا
أيها المسبغ علينا نعمه
غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
أي أهواؤنا التي قادتنا إلى سوء الأعمال التي كانت سببا ظاهرا للشقاوة .
ولما كان التقدير : فكنا معها كالمأسورين ، تؤزنا إليها الشياطين أزا ، عطف عليه قوله
وَكُنَّا
أي بما جبلنا عليه
قَوْماً ضالِّينَ *
في ذلك عن الهدى ، أقوياء في موجبات الشقوة ، فكان سببا للضلال عن طريق السعادة .
ولما تضمن هذا الإقرار الاعتذار ، وكان ذلك ربما سوغ الخلاص ، وصلوا به