أعمل
صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
من الإيمان وتوابعه ؛ قال البغوي : قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع ليعمل بطاعة اللّه ، فرحم اللّه امرأ عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب . وقال ابن كثير : كان العلاء بن زياد يقول : لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة اللّه عز وجل .
ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا يرجع ، ولو رجع لم يعمل قال ردعا له وردا لكلامه :
كَلَّا
أي لا يكون شيء من ذلك ، فكأنه قيل : فما حكم ما قال ؟ فقال معرضا عنه إيذانا بالغضب :
إِنَّها كَلِمَةٌ
أي مقالته
رَبِّ ارْجِعُونِ
- إلى آخره ، كلمة
هُوَ قائِلُها
وقد عرف منه الخداع والكذب فهي كما عهد منه لا حقيقة لها .
ولما كان التقدير : فهو لا يجاب إليها ، عطف عليه قوله ، جامعا معه كل من ماثله لأن عجز الجمع يلزم منه عجز الواحد :
وَمِنْ وَرائِهِمْ
أي من خلفهم ومن أمامهم محيط بهم
بَرْزَخٌ
أي حاجز بين ما هو فيه وبين الدنيا والقيامة مستمر لا يقدر أحد على رفعه
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *
أي تجدد بعثهم بأيسر أمر وأخفه وأهونه .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 101 إلى 104 ]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 )
ولما غيّى ذلك بالبعث فتشوفت النفس إلى ما يكون بعده ، وكان قد تقدم أن الناس - بعد أن كانوا أمة واحدة في الاجتماع على ربهم - تقطعوا قطعا ، وتحزبوا أحزابا ، وتعاضدوا بحكم ذلك وتناصروا ، قال نافيا لذلك :
فَإِذا نُفِخَ
أي بأسهل أمر النفخة الثانية وهي نفخة النشور ، أو الثالثة للصعق
فِي الصُّورِ
فقاموا من القبور أو من الصعق
فَلا أَنْسابَ
وهي أعظم الأسباب
بَيْنَهُمْ
يذكرونها يتفاخرون بها
يَوْمَئِذٍ
لما دهمهم من الأمر وشغلهم من البأس ولحقهم من الدهش ورعبهم من الهول وعلموا من عدم نفعها إلا ما أذن اللّه فيه ، بل يفر الإنسان من أقرب الناس إليه ، وإنما أنسابهم الأعمال الصالحة
وَلا يَتَساءَلُونَ *
أي في التناصر لأنه انكشف لهم أن لا حكم إلا اللّه وأنه لا تغني نفس عن نفس شيئا ، فتسبب عن ذلك أنه لا نصرة إلا بالأعمال التي رحم اللّه بالتيسير لها ثم رحم بقبولها ، فلذلك قال :
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ
أي بالأعمال المقبولة ، ولعل الجمع لأن لكل عمل ميزانا يعرف أنه لا يصلح له غيره ، وذلك أدل على القدرة
فَأُولئِكَ
أي خاصة ، ولعله جمع للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد الدلالة