تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
مفسدة وبالعكس ، لاقتداره على كل شيء وإظهار اقتداره كما قال تعالى عند أول ذكره للنسخ
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 106 ] الآيات ، فعلم أن منازعتهم فيه كفر ، فلذلك أتبع هذا قوله من غير عاطف لما بينهما من تمام الاتصال :
لِكُلِّ أُمَّةٍ
أي في كل زمان
جَعَلْنا
أي بما لنا من العظمة
مَنْسَكاً
أي شرعا لاجتماعهم به على خالقهم حيث وافق أمره ، ولاجتماعهم على أهوائهم إذا لم يوافقه ، وعن ابن جرير أن أصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو لشر . ولما كان بحيث إن ما أراده سبحانه كان لا محالة ، قال :
هُمْ ناسِكُوهُ
أي متعبدون به ، لأنا ندافع عنهم من يعاديهم فيه حتى يستقيم لهم أمره ، لإسعادهم به أو إشقائهم ، فمن شك في قدرتنا على تمكينهم منه فهو كفور ، فإن وافق الأمر كان ربحا وإيمانا ، وإن خالفه كان كفرا وخسرانا . ولما كان قد حكم بإظهار دينه على الدين كله ، وبأن الكفار على كثرتهم يغلبون بعد ما هم فيه من البطر ، أعلم بذلك بالتعبير بصيغة الزجر لهم بقوله مسببا عن هذه العظمة :
فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ
أي بما يلقيه الشيطان إليهم من الشبه ليجادلوا به ، من طعنهم في دينك بالنسخ بقولهم : لو كان من عند اللّه لما أمر اليوم بشيء ونهى عنه غدا . لأنه يلزم منه البدء ، فليس الأمر كما زعموا ، بل هو دال على العلم بالعواقب والاقتدار التام على شرع المذاهب ، وغير ذلك من الشبه كما مضت الإشارة إليه ، فلا يلتفت إليهم في شيء نازعوا فيه كائنا ما كان ، وروي أنها نزلت بسبب جدال الكفار بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما في الذبائح ، وقولهم للمؤمنين : تأكلون ما ذبحتم وهو من قتلكم ، ولا تأكلون ما قتل اللّه - يعنون الميتة . ولما كان النهي عن المنازعة في الحقيقة له صلّى اللّه عليه وسلّم إلهابا وتهييجا إلى الإعراض عنهم لأنهم أهل لذلك ، لأن كيدهم في تضليل ، والإقبال على شأنه ، وكان التعبير بما تقدم من تحويله إليهم لتأكيد الأمر مع دلالته على إجلاله صلّى اللّه عليه وسلّم عن المواجهة بالنهي ، عطف عليه قوله :
وَادْعُ
أي أوقع الدعوة لجميع الخلق
إِلى رَبِّكَ
أي المحسن إليك بإرسالك ، بالحمل لهم على كل ما أمرك به متى ما أمرك ، ولا يهولنك قولهم ، فإنهم مغلوبون لا محالة ، ولا تتأمل عاقبة من العواقب ، بل أقدم على الأمر وإن ظن أن فيه الهلاك ، فإنه ليس عليك إلا ذلك . وأما نظم الأمور على نهج السداد في إظهار الدين ، وقهر المعاندين ، فإلى الذي أمرك بتلك الأوامر ، وأحكم الشأن في جميع الزواجر ؛ ثم علل ذلك بقوله :
إِنَّكَ
مؤكدا له بحسب ما عندهم من الإنكار
لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ *
فإنه تأصيل العليم القدير وإن طرقه التغيير .