قاضية بعلوه وكبره ، فقال :
أَ لَمْ تَرَ
أي أيها المخاطب
أَنَّ اللَّهَ
أي المحيط قدرة وعلما
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
بأن يرسل رياحا فتثير سحابا فيمطر على الأرض الملساء .
ولما كان هذا الاستفهام المتلو بالنفي في معنى الإثبات لرؤية الإنزال لكونه فيه معنى الإنكار ، عطف على
أَنْزَلَ
معقبا له على حسب العادة قوله ، معبرا بالمضارع تنبيها على عظمة النعمة بطول زمان أثر المطر وتجدد نفعه :
فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ
أي بعد أن كانت مسودة يابسة ، ميتة هامدة
مُخْضَرَّةً
حية يانعة ، مهتزة نامية ، بما فيه رزق العباد ، وعمارة البلاد ، ولم ينصب على أنه جوابه لئلا يفيد نفي الاخضرار ، وذلك لأن الاستفهام من حيث فيه معنى الإنكار نفي لنفي رؤية الإنزال الذي هو إثبات الرؤية ، فيكون ما جعل جوابا له منفيا ، لأن الجواب متوقف على ما هو جوابه ، فإذا نفى ما عليه التوقف انتفى المتوقف عليه ، أي إذا نفى الملزوم انتفى اللازم ، وإذا نفي السبب انتفى المسبب - كما تقدم في « فتكون لهم قلوب » فلو نصب « يصبح » على أنه جواب الاستفهام لكان المعنى أن عدم الاخضرار متوقف على نفي النفي للإنزال الذي هو إثبات الإنزال ، وهو واضح الفساد - أفاده شيخنا الإمام أبو الفضل رحمه اللّه .
ولما كان هذا إنتاجا للأشياء من أضدادها ، لأن كلّا من الماء في رقته وميوعه والتراب في كثافته ، وجموده في غاية البعد عن النبات في تنوعه وخضرته ، ونموه وبهجته ، قال سبحانه وتعالى منبها على ذلك :
أَنَّ اللَّهَ
أي الذي له تمام العز وكمال العلم
لَطِيفٌ
أي يسبب الأشياء عن أضدادها
خَبِيرٌ *
أي مطلع على السرائر وإن دقت ، فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد موته ، والإحسان في رزقه .
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 64 إلى 67 ]
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 64 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 65 ) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ( 66 ) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ( 67 )
ولما اقتضى ذلك أنهى التصرف ، لأنه لا بد بعد اختلاط الماء بالتراب من أمور ينشأ عنها النبات ، على تلك الهيئات الغريبة المختلفة ، فأوجب ذلك أن يكون هو المالك المطلق ، قال :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ
أي التي أنزل منها الماء ، ولما كان السياق لإثبات البعث والانفراد بالملك والدلالة على ذلك ، اقتضى الحال التأكيد بإعادة الموصول فقال :
وَما فِي الْأَرْضِ
أي التي استقر فيها ، وذلك يقتضي ملك