تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
ولما كان الإنسان ميالا إلى الفوائد ، مستشرفا إلى جميل العوائد ، علل الإتيان بما يرغبه مبيحا من فضله ما يقصده من أمر المعاش فقال :
لِيَشْهَدُوا
أي يحضروا حضورا تاما
مَنافِعَ لَهُمْ
أي لا للمعبود ، دينية ودنيوية ، فإنه كما جعل سبحانه تلك المواطن ماحية للذنوب ، جالبة للقلوب ، جعلها جالبة للفوائد ، جارية على أحسن العوائد ، سالمة للفقر جابرة للكسر ، ولما كانت المنافع لا تطيب وتثمر إلا بالتقوى كان الحامل على التقوى لذكر قال :
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
أي الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره ، إعلاما بأنه المقصود الذي يتبعه جميع المقاصد لأنه ما جمعهم على ما فيه من تلك الأرض الغراء والأماكن الغبراء إلا هو بقدرته الكاملة ، وقوته الشاملة ، لا اسم شيء من الأصنام كما كانت الجاهلية تفعل
فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ
أي علم أنها أول عشر في ذي الحجة الذي يوافق اسمه مسماه ، لا ما سموه به ومسماه غيره على ما حكم به النسيء ، وفي هذا إشارة إلى أن المراد به الإكثار إذ مطلق الذكر مندوب إليه في كل وقت ، وفي التعبير بالعلم إشارة إلى وجوب استفراغ الجهد بعد القطع بأن الشهر ذو الحجة اسما ومسمى في تحرير أوله ، وأما أيام التشريق فإنها لما كانت مبنية على العلم بأمر الشهر الذي أمر به هنا ، فأنتج العلم بيوم العيد ، لم يحتج في أمرها إلى غير العد فلذا عبر عنها به دون العلم . ولما كانت النعم أجل أموالهم ، قال تعالى مرغبا لهم ومرهبا :
عَلى
أي مبركين بذكره وحامدين على
ما رَزَقَهُمْ
ولو شاء محقه
مِنْ بَهِيمَةِ
ولما كانت البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر ، بينها بقوله :
الْأَنْعامِ
من الإبل والبقر والغنم بالتكبير عند رؤيته ، ثم عند ذبحه ، وفيه حث على التقرب بالضحايا ، والهدايا ، ولذلك التفت إلى الإقبال عليهم ، وتركيب « لهم » يدور على الاستعجام والخفاء والانغلاق وعدم التمييز ، وتركيب « نعم » على الرفاهية والخفض والدعة . ولما ذكر سبحانه العبادة فخاطب بها إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، تنبيها على أنها لعظم المعبود لا يقوم بها على وجهها إلا الخلص ، أقبل على العابدين كلهم بالإذن في ما يسرهم من منحة التمتيع ، تنبيها على النعمة ، حثا على الشكر ، فقال مبينا عما اندرج في ذلك من الذبح :
فَكُلُوا مِنْها
أي إن شئتم إذا تطوعتم بها ولا تمتنعوا كأهل الجاهلية ، فالأكل من المتطوع به لا يخرجه عن كونه قربانا في هذه الحنيفية السمحة منة على أهلها ، تشريفا لنبيها صلّى اللّه عليه وسلّم ، والأكل من الواجب لا يجوز لمن وجب عليه ، لأنه إذا أكل منه ولم يكن مخرجا لما وجب عليه بكماله
وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ
أي الذي اشتدت حاجته ، من بئس كسمع إذا ساءت حاله وافتقر ، وبين أنه من ذلك ، لا من بؤس - ككرم