المشروط نوعا من الإلحاد ، لا الإلحاد الكامل ، عبر بقوله :
مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ *
ودل هذا الخبر عمن أراد شيئا مما فعله الكفار أن الخبر عن الكفار الفاعلين لما رتب هذا الجزاء على إرادته ما قدرته .
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 26 إلى 31 ]
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 26 ) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ( 28 ) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 29 ) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 )
حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 )
ولما ذكر الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت ، أتبعه التذكير به وبحجه ، لما فيه من التذكير بالقيامة الحاملة على التقوى التي هي مقصد السورة ، بما فيه من الوفادة على اللّه ، مع التجرد من المحيط ، والخضوع للرب ، والاجتماع في المشاعر موقفا في أثر موقف ، ولما فيه من الحث على التسنن بأبيهم الأعظم إبراهيم عليه السّلام فقال ، مقرعا وموبخا لمن أشرك في نفعه « أسست على التوحيد من أول يوم » عطفا على قوله أول السورة
اتَّقُوا
وَإِذْ
أي واذكروا إذ
بَوَّأْنا
بما لنا من العظمة ، ولما لم يجعله سبحانه سكنه بنفسه ، قصر الفعل عن التعدية إلى مفعوله الأول فقال :
لِإِبْراهِيمَ
أي قدرنا له
مَكانَ الْبَيْتِ
أي الكعبة وجعلناه له مباءة ، أي منزلا يبوء إليه أي يرجع ، لأنه - لما نودعه فيه من اللطائف - أهل لأن يرجع إليه من فارقه ويحن إليه ، ويشتاق من باعده وينقطع إليه بعض ذريته ، من المباءة بمعنى المنزل ، وبوأه إياه وبوأه له ، أي أنزله ، قال في ترتيب المحكم : وقيل : هيأته ومكنت له فيه . ويدل على أن إبراهيم عليه السّلام أول بان للبيت ما في الصحيح « عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : قلت : يا رسول اللّه ! أي مسجد وضع أول ؟ قال : المسجد الحرام ، قلت : ثم أيّ ؟ قال : بيت المقدس ، قلت :
كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة » « 1 » ولما كان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام نبيا ، كان من
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 3366 ومسلم 520 وابن ماجة 753 وأحمد 5 / 160 من حديث أبي ذر .