عن إرادة المكروه ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في سورة الروم ما يزيد ذلك وضوحا ؛ روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إن اللّه إذا أحب عبدا دعا جبرئيل فقال : يا جبرئيل ! إني أحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء : إن اللّه يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإن اللّه إذا أبغض عبدا دعا جبرئيل فقال : يا جبرئيل ! إني أبغض فلانا فأبغضه ، فيبغضه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء : إن اللّه يبغض فلانا فأبغضوه ، فيبغضه أهل السماء ثم يوضع له البغضاء في الأرض « 1 » .
ولما كان إنزال هذا القول الثقيل ثم تيسيره حفظا وعملا سببا لما جعل لأهل الطاعة في الدنيا من الود بما لهم من التحلي والتزين بالصالحات ، والتخلي والتصون من السيئات ، الدال على ما لهم عند مولاهم من عظيم العز والقرب ، وكان التقدير : والذين كفروا ليكسبنهم الجبار بغضا وذلّا ، فأخبر كلّا من الفريقين بما له بشارة ونذارة ، قال مسببا عن إفصاح ذلك وإفهامه :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ
أي هذا القرآن ، الذي عجز عن معارضته الإنس والجان ، والكتاب القيم والوحي الذي لا مبدل له بسبب إنزالنا إياه
بِلِسانِكَ
هذا العربي المبين ، العذب الرصين
لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ
وهم الذين يجعلون بينهم وبين ما يسخط اللّه وقاية ، فلا يبطلون حقا ولا يحقون باطلا ، ومتى حصلت لهم هفوة بادروا الرجوع عنها بالمتاب ، بما لهم عندنا من العز الذي هو ثمرة العز المدلول عليه بما لهم منه في الدنيا ، لا لتحزنهم بأن ينزل فيه ما يوهم تسويتهم بأهل المعصية في كلتا الدارين
وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا *
أشد في الخصومة ، يريدون العز بذلك ، لما لهم عندنا من الذل والهوان الناشئ عن المقت المسبب عن مساوىء الأعمال ، وأنا نهلكهم إن لم يرجعوا عن لددهم ، والألد هو الذي يتمادى في غيه ولا يرجع لدليل ، ويركب في عناد الحق ما يقدر عليه من الشر ، ولا يكون هذا إلا ممن يحتقر من يخاصمه ويريد أن يجعل الحق باطلا ، تكبرا عن قبوله ، فينطبق عليه ما رواه مسلم في الإيمان عن صحيحه ، وأبو داود في اللباس من سننه ، والترمذي في البر من جامعه ، وابن ماجة في السنة من سننه عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من كبر ، فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة ، فقال : إن اللّه جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط - وفي رواية : وغمص - الناس « 2 » . وكلاهما بمعنى الاحتقار ، ومن كان هذا سبيله مرن على ذلك ومرد عليه ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 7485 ومسلم 2637 والترمذي 3161 وأحمد 2 / 514 من حديث أبي هريرة .
( 2 ) أخرجه أحمد 1 / 412 مسلم 91 والترمذي 1998 وأبو داود 4091 عن ابن مسعود .