كان من العبد من يعصي على سيده ، عبر بالإتيان فقال :
آتِي الرَّحْمنِ
العام بالإحسان ، أي منقاد له طوعا أو كرها في كل حالة وكل وقت
عَبْداً *
مسخرا مقهورا خائفا راجيا ، فكيف يكون العبد ابنا أو شريكا ؟ فدلت الآية على التنافي بين العبودية والولدية ، فهي من الدليل على عتق الولد والوالد إذا اشتريا .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 94 إلى 98 ]
لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ( 98 )
ولما كان من المستبعد معرفة الخلائق كلهم ، أتبعه بقوله :
لَقَدْ
أي واللّه لقد
أَحْصاهُمْ
كلهم إحاطة بهم
وَعَدَّهُمْ
ولما كان ذلك لا يكاد يصدق ، أكده بالمصدر فقال :
عَدًّا *
قبل خلقهم من جميع جهات العبد ولوازمها ، فلم يوجد ولم يولد ، ولم يعدم أو يصب أحد منهم إلا في حينه الذي عده له ، وقد يكون الإحصاء قبل الوجود في عالم الغيب والعد بعد الوجود
وَكُلُّهُمْ
أي وكل واحد منهم
آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
بعد بعثه من الموت
فَرْداً *
على صفة الذل ، موروثا ماله وولده الذي كنا أعطيناه في الدنيا قوة له وعزا ، لأنه لا موجود غيره يقدر على حراسة نفسه من الفناء ، فهو لا شك في قبضته ، فكيف يتصور في بال أو يقع في خيال أن يكون شيء من ذلك له ولدا أو معه شريكا .
ولما عم بهذا الحكم الطائع والعاصي ، وكان ذلك محزنا لأهل الطاعة باستشعار الذل في الدارين ، تحركت النفس إلى معرفة ما أفادتهم الطاعة ، واستأنف الجواب لذلك مبشرا لهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
تصديقا لادعائهم الإيمان ، الأعمال
الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ
تحقيقا عما قليل عند بيعة العقبة
لَهُمُ الرَّحْمنُ
الذي خصهم بالرضا بعد أن عمهم بالنعمة ، جزاء على انقيادهم له ، لأنه كان إما باختيارهم وإما برضاهم
وُدًّا *
أي حبا عظيما في قلوب العباد ، دالا على ما لهم عندهم من الود ؛ قال الأصبهاني : من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي تكسب بها الناس مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع غيره أو غير ذلك ، وإنما هو اختراع ابتدأ اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصة كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم - انتهى . والمراد - واللّه أعلم - أنه لا يجعل سبحانه في قلب أحد من عباده الصالحين عليهم إحنة ، لأن الود - كما قال الإمام أبو الحسن الحرالي : خلو