يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا *
بأن أفعل فعل الجبارين بغير استحقاق ، إنما أفعل ذلك بمن يستحق ، وفيه إيماء إلى أن التجبر المذموم فعل أولاد الزنا ، وذلك أنه يستشعر ما عنده من النقص فيريد أن يجبره بتجبره ،
ثم أخبر بما له من اللّه من الكرامة الدائمة مشيرا إلى أنه لا يضره عدو ، وإلى أنه عبد لا يصلح أن يكون إلها وإلى البعث فقال :
وَالسَّلامُ
أي جنسه
عَلَيَّ
فلا يقدر أحد على ضرري
يَوْمَ وُلِدْتُ
فلم يضرني الشيطان ومن يولد لا يكون إلها
وَيَوْمَ أَمُوتُ
كذلك أموت كامل البدن والدين ، لا يقدر أحد على انتقاصهما مني كائنا من كان
وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا *
يوم القيامة كما تقدم في يحيى عليه السّلام ، إشارة إلى أنه في البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلا إلا في كونه من غير ذكر ، وإذا كان جنس السّلام عليه كان اللعن على أعدائه ، فهو بشارة لمن صدقه فإنه منه ، ونذارة لمن كذبه ، ولم يكن لنبينا صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم مثل هذه الخارقة لئلا يلتبس حاله بالكهان ، لأن قومه لا عهد لهم بالخوارق إلا عندهم ، وإذا تقرر ذلك في نفوسهم من الصغر صعب زواله ، ولم يكن هناك ما ينفيه حال الصغر ، فعوض عن ذلك إنطاق الرضعاء كمبارك اليمامة وغيره ، وإنطاق الحيوانات العجم ، بل والجمادات كالحجارة وذراع الشاة المسمومة والجذع اليابس وغيرها .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 34 إلى 37 ]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 )
ولما كان في ذلك من أقوال عيسى وأحواله - المنادية بالحاجة للتنقل في أطوار غيره من البشر والكرامة من اللّه - أعظم البيان عن بعده عما ادعى فيه النصارى من الإلهية واليهود من أنه لغير رشده ، نبه على ذلك مشيرا إليه بأداة البعد فقال مبتدئا :
ذلِكَ
أي الولد العظيم الشأن ، العلي الرتبة ، الذي هذه أحواله وأقواله البعيدة عن صفة الإله وصفة من ارتاب في أمره ؛ ثم بين اسم الإشارة أو أخبر فقال :
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
أي وحدها ليس لغيرها فيه بنوة أصلا ، وهي من أولاد آدم ، فهو كذلك ؛ ثم عظم هذا البيان تعظيما آخر فقال :
قَوْلَ
أي هو - أي نسبته إلى مريم فقط - قول
الْحَقِّ
أي الذي يطابقه الواقع ، أو يكون القول عيسى نفسه كما أطلق عليه في غير هذا الموضع « كلمة » من تسمية المسبب باسم السبب وهو على هذه القراءة خبر بعد خبر أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف ، وعلى قراءة عاصم وابن عامر بالنصب ، هو اغراء ، أي الزموا ذلك وهو نسبته إلى مريم عليهما السّلام وحدها ثم عجب من ضلالهم فيه بقوله :
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ *
أي يشكون شكا يتكلفونه ويجادلونه به مع أن أمره في غاية الوضوح ، ليس موضعا