لها ، لأنها لا تحمل إلا بإلقاح من ذكور النخل ، فحملها بمجرد هزها أنسب شيء لإتيانها بولد من غير والد ، فكيف إذا كان ذلك في غير وقته ! فكيف إذا كانت يابسة ! مع ما لها فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها ، وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك .
ولما كان ذلك أمرا صعبا عليها جدا ، كان كأنه قيل : يا ليت شعري ! ما كان حالها ؟ فقيل :
قالَتْ
لما حصل عندها من خوف العار :
يا لَيْتَنِي مِتُّ
ولما كانت كذلك أشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار :
قَبْلَ هذا
أي الأمر العظيم
وَكُنْتُ نَسْياً
أي شيئا من شأنه أن ينسى
مَنْسِيًّا *
أي متروكا بالفعل لا يخطر على بال ، فولدته
فَناداها مِنْ تَحْتِها
وهو عيسى عليه السّلام
أَلَّا تَحْزَنِي
قال الرازي في اللوامع : والأصح أن مدة حملها له وولادته ساعة لأنه كان مبدعا ، ولم يكن من نطفة تدور في أدوار الخلقة - انتهى . ونقله ابن كثير وقال : غريب عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ويؤيده أنه لم ينقل في كتابنا ولا عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أنهم أنكروا عليها زمن الحمل ، ولو علموا به لأنكروه ولو أنكروه لنقل كما نقل إنكار الولادة .
ولما أنكروا الولادة فكأنها قالت : لم لا أحزن ؟ وتوقعت ما يعلل به ؟ قال :
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ
أي المحسن إليك
تَحْتَكِ
في هذه الأرض التي لا ماء جاريا بها
سَرِيًّا *
جدولا من الماء جليلا آية لك تطيب نفسك
وَهُزِّي إِلَيْكِ
أي أوقعي الهز وهو جذب بتحريك .
ولما كان المقصود التهويل لصرف فكرها عما دهمها من الهم جعله قاصرا فكأنها قالت : ما أهز ؟ إذ لم يكن في الجذع ما يتوقع نفعه بهزه ، فقال مصرحا بالمهزوز :
بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
التي أنت تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها فكأنها قالت :
ولم ذاك ؛ فقال :
تُساقِطْ عَلَيْكِ
من أعلاها
رُطَباً جَنِيًّا *
طريا آية أخرى عظيمة تطيب النفس وتذهب بالحزن ، وتدل على البراءة ، والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن التمر يسقط منها ، ومن حقه أن يكون منتفيا لأنها غير متأهلة لذلك ، فهو ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة ، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفى كونه منها ليبسها وعدم إقنائها ، وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته ، وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل ، تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها .