تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
للشك أصلا ؛ ثم دل على كونه حقا في كونه ابن مريم لا غيرها بقوله ردا على من ضل :
ما كانَ
أي ما صح ولا تأتي ولا تصور في العقول ولا يصح ولا يتأتى لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة
لِلَّهِ
الغني عن كل شيء
أَنْ يَتَّخِذَ
ولما كان المقام يقتضي النفي العام ، أكده ب « من » فقال :
مِنْ وَلَدٍ .
ولما كان اتخاذ الولد من النقائص ، أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله :
سُبْحانَهُ
أي تنزه عن كل نقص من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله :
إِذا قَضى أَمْراً
أي أمر كان
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ
أي يريده ويعلق قدرته به
فَيَكُونُ *
من غير حاجة إلى شيء أصلا ، فكيف ينسب إلى الاحتياج إلى الإحبال والإيلاد والتربية شيئا فشيئا كما أشار إليه الاتخاذ . ولما كان لسان الحال ناطقا عن عيسى عليه الصلاة والسّلام بأن يقول : وقد قضاني اللّه فكنت كما أراد ، فأنا عبد اللّه ورسوله فاعتقدوا ذلك ولا تعتقدوا سواه من الأباطيل ، عطف عليه في قراءة الحرميين وأبي عمرو قوله :
وَإِنَّ اللَّهَ
أي الذي له الأمر كله
رَبِّي وَرَبُّكُمْ
أي أحسن إلى كل منا بالخلق والرزق ، لا فرق بيننا في أصل ذلك
فَاعْبُدُوهُ
وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده ، وقراءة الباقين بالكسر على أنه مقول عيسى عليه السّلام الماضي ، ويكون اعتراض ما تقدم من كلام اللّه بينهما للتأكيد والاهتمام . ولما كان اشتراك الخلائق في عبادة الخالق بعمل القلب والجوارح علما وعملا أعدل الأشياء ، أشار إلى ذلك بقوله :
هذا
أي الذي أمرتكم به
صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ *
لأنا بذلنا الحق لأهله بالاعتقاد الحق والعمل الصالح ، ولم يتفضل أحد منا فيه على صاحبه . ولما كان المنهج القويم بحيث يكون سببا للاجتماع عند كل صحيح المزاج ، عجب منهم في استثمار غير ذلك منه فقال :
فَاخْتَلَفَ
أي فتسبب عن هذا السبب للاجتماع أنه اختلف
الْأَحْزابُ
الكثيرون . ولما كان الاختلاف لم يعم جميع المسائل التي في شرعهم قال :
مِنْ بَيْنِهِمْ
أي بني إسرائيل المخاطبين بذلك خاصة لم تكن فيهم فرقة من غيرهم في هذه المقالة القويمة التي لا تنبغي لمن له أدنى مسكة أن يتوقف في قبولها ، فمنهم من أعلم أنها الحق فاتبعها ولم يحد عن صوابها ، ومنهم من أبعد في الضلال عنها بشبه لا شيء أو هي منها ؛ روي عن قتادة أنه اجتمع من أحبار بني إسرائيل أربعة : يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل ، فقال يعقوب : عيسى هو اللّه نزل إلى الأرض فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية ، وقال نسطور : عيسى ابن اللّه فكذبه الاثنان واتبعه