ولما هالها هذا الأمر ، أداها الحال إلى غاية الإسراع في إلقاء ما تريد من المعاني لها لعلها تستريح مما تصورته ، فضاق عليها المقام ، فأوجزت حتى بحذف النون من « كان » ولتفهم أن هذا المعنى منفي كونه على أبلغ وجوهه فقالت
وَلَمْ أَكُ .
ولما كان المولود سر من يلده ، وكان التعبير عنه بما هو من مادة الغلمة دالا على غاية الكمال في الرجولية المقتضى لغاية القوة في أمر النكاح نفت أن يكون فيها شيء من ذلك فقالت :
بَغِيًّا *
أي ليكون دأبي الفجور ، ولم يأت « بغية » لغلبة إيقاعه على النساء ، فكان مثل حائض وعاقر في عدم الإلباس ولأن بغية ، لا يقال إلا للمتلبسة به
قالَ
أي جبريل عليه السّلام
كَذلِكِ
القول الذي قلت لك يكون .
ولما كان لسان الحال قائلا : كيف يكون بغير سبب ؟ أجاب بقوله :
قالَ
ولما بنيت هذه السورة على الرحمة واللطف والإحسان بعباد الرحمن ، عبر باسم الرب الذي صدرت به بخلاف سورة التوحيد آل عمران المصدرة بالاسم الأعظم فقال :
رَبُّكِ هُوَ
أي المذكور وهو إيجاد الولد على هذه الهيئة
عَلَيَّ
أي وحدي لا يقدر عليه أحد غيري
هَيِّنٌ
أي خصصناك به ليكون شرفا به لك .
ولما كان ذلك من أعظم الخوارق ، نبه عليه بالنون في قوله ، عطفا على ما قدرته مما أفهمه السياق :
وَلِنَجْعَلَهُ
بما لنا من العظمة
آيَةً لِلنَّاسِ
أي علامة على كمال قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى عليه السّلام ، وبه تمام القسمة الرباعية في خلق البشر ، فإنهه أوجده من أنثى بلا ذكر ، وحواء من ذكر بلا أنثى ، وآدم عليه السّلام لا من ذكر ولا أنثى ، وبقية أولاده من ذكر وأنثى معا
وَرَحْمَةً مِنَّا
لمن آمن به في أول زمانه ، ولأكثر الخلق بالإيمان والإنجاء من المحن في آخر زمانه ، لا كآية صالح عليه السّلام لأنها كانت آية استئصال لأهل الضلال
وَكانَ
ذلك كله
أَمْراً مَقْضِيًّا *
أي محكوما به مبتوتا هو في غاية السهولة لا مانع منه أصلا ، ونبه على سرعة تسبيب الحمل عن هذا القول وإن كان التقدير بما أرشد إليه في غير هذه السورة : فنفخ في درعها فوصل النفخ إلى جوفها
فَحَمَلَتْهُ
وعقب بالحمل قوله :
فَانْتَبَذَتْ بِهِ
أي فاعتزلت - وهو في بطنها - حالة
مَكاناً قَصِيًّا *
أي بعيدا من أهلها أو من المكان الشرقي ، وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله :
فَأَجاءَهَا
أي فأتى بها وألجأها
الْمَخاضُ
وهو تحرك الولد في بطنها للولادة
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ
وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان ، وكان تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها ، فكانت كالعلم لما فيها من العجب ، لأن النخل من أقل الأشجار صبرا على البرد ، ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة