تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
الإلهية وتفيض عليها من عالم القدس على وجه الكمال فتحصل المعارف والعلوم من غير تفكر وتأمل ، فهذا هو العلم اللدني . ثم أورد سبحانه وتعالى القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن كل كلام يرشد إليه ما قبله ، وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا لقيه كلمه ، لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال لمن كأنه سأل عن ذلك :
قالَ لَهُ مُوسى
طالبا منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب الاستئذان :
هَلْ أَتَّبِعُكَ
أي اتباعا بليغا حيث توجهت ؛ والاتباع : الإتيان لمثل فعل الغير لمجرد كونه آتيا به ؛ وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله :
عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ
وزاد في التلطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال :
مِمَّا عُلِّمْتَ
وبناه للمفعول لعلم المخاطبين - لكونهم من الخلص - بأن الفاعل هو اللّه سبحانه وتعالى ، وللإشارة إلى سهولة كل أمر على اللّه عز وجل
رُشْداً *
أي علما يرشدني إلى الصواب فيما أقصده ، ولا نقص في تعلم نبي من نبي حتى يدعي أن موسى هذا ليس موسى بن عمران عليه السّلام فإنه قد ثبت كونه ابن عمران في الصحيح ، وأتى صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم في سؤاله له بهذه الأنواع من الآداب والإبلاغ في التواضع لما هو عليه من الرسوخ في العلم ، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر ، كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر ، فكان طلبه لها أشد ، فكان تعظيمه لأرباب العلوم أكمل . ولما أتم العبارة عن السؤال ، استأنف جوابه له بقوله تعالى :
قالَ
أي الخضر عليه السّلام :
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
يا موسى
مَعِيَ صَبْراً *
أي هو من العظمة على ما أريد لما يحثك على عدم الصبر من ظاهر الشرع الذي أمرت به ، فالتنوين للتعظيم بما تؤذن به تاء الاستفعال ، وأكد لما في سؤال موسى عليه السّلام من التلطف المؤذن بأنه يصبر عليه ولا يخالفه في شيء أصلا ، ويؤخذ منه أن العالم إن رأى في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعا وإرشادا إلى الخير كان عليه ذكره ، فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة ، وذلك يمنعه من التعلم .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 68 إلى 74 ]

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ( 70 ) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ( 71 ) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 72 ) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ( 73 ) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ( 74 )
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 491 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي