بإهلاكهم بما لنا من العظمة
لَمَّا ظَلَمُوا
أي أول ما ظلموا ، أو أهلكناهم بالفعل حين ظلمهم لكن لا في أوله ، بل أمهلناهم إلى حين تناهيه وبلوغه الغاية ، فليحذر هؤلاء مثل ذلك
وَجَعَلْنا
أي بما لنا من العظمة
لِمَهْلِكِهِمْ
أي إهلاكهم بالفعل
مَوْعِداً *
أي وقتا نحله بهم فيه ومكانا لم نخلفه ، كما أنا جعلنا لهؤلاء موعدا في الدنيا بيوم بدر والفتح وحنين ونحو ذلك ، وفي الآخرة لن نخلفه ، وكذا كل أمر يقوله نبي من الأنبياء عنا لا يقع فيه خلف وإن كان يجوز لنا ذلك ، بخلاف ما يقوله من نفسه غير مسند إلينا فإنه يمكن وقوع الخلف فيه ، كما وقع في الوعد بالإخبار عن هذه المسائل التخلف أربعين ليلة أو ما دونها على حسب فهمهم أن ( غدا ) على حقيقته .
ولما قدم الكلام على البعث ، واستدل عليه بابتداء الخلق ، ثم ذكر بعض أحواله ، ثم عقبه بما ضرب لذلك وغيره من الأمثال ، وصرف من وجوه الاستدلال ، وختم ذلك بأنه يمهل عند المساءة ، عقب ذلك بأنه كذلك يفعل عند المسرة ، فلكل شيء عنده كتاب ، وكل قضاء بقدر وحساب ، فذكر قصة موسى مع الخضر عليهما السّلام وما اتفق له في طلبه ، وجعله سبحانه له الحوت آية وموعدا للقائه ، ولو أراد سبحانه لقرب المدى ولم يحوج إلى عناء ، مع ما فيها من الخارق الدال على البعث ، ومن الدليل على أن من ثبت فضله وعلمه لا يجوز أن يعترض عليه إلا من كان على ثقة مما يقوله من ربه ولا أن يمتحن ، ومن الإرشاد إلى ذم الجدل بغير علم ، ووجوب الانقياد للحق عند بيانه ، وظهور برهانه ، ومن إرشاد من استنكف أن يجالس فقراء المؤمنين بما اتفق لموسى عليه السّلام من أنه - وهو كليم اللّه - أتبع الخضر عليه السّلام ليقتبس من علمه ، ومن تبكيت اليهود بقولهم لقريش لما أمروهم بسؤال النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم « إن لم يخبركم فليس بنبي » « 1 » الموهم للعرب الذين لا يعلمون شيئا أن من شرط النبي أن لا يخفى عليه شيء ، مع ما يعلمون من أن موسى عليه السّلام خفي عليه جميع ما فعله الخضر عليه السّلام ، وإلى نحو هذا أشار الخضر عليه السّلام بقوله إذ وقع العصفور على حرف السفينة ونقر من البحر نقرة أو نقرتين « ما نقص علمي وعلمك يا موسى من علم اللّه إلا كما نقص هذا العصفور من البحر » « 2 » وبإعلامهم بما يعلمونه من أن موسى عليه السّلام جعل نفسه تابعا للخضر عليه السّلام ، تكذيبا لهم في ادعائهم أنه ليس أحد أعلى من موسى عليه السّلام في وصف من الأوصاف ، وأنه لا ينبغي لأحد اتباع غيره ،
هامش
( 1 ) تقدم قبل قليل .
( 2 ) أخرجه البخاري 3400 وأحمد 5 / 120 عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه وسيأتي في ص 128 مطولا .