تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
لتنجيهم بما عندك من الحرص على ذلك والجد
فَلَنْ يَهْتَدُوا
أي كلهم بسبب دعائك
إِذاً
أي إذا دعوتهم
أَبَداً *
لأن من له العظمة التامة - وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على حقيقتها - حكم عليهم بالضلال ، أي أنه لا يكون الدعاء وحده هاديا لأكثرهم ، بل لا بد معه من السيف كما سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم ، وقد يكون المراد أن من كان هكذا معاندا على هذا الوجه كان مؤبد الشقاء ، وقد نفى آخر هذه الآية الفعل عن العباد وأثبته لهم أولها ، وقلما نجد في القرآن آية تسند الفعل إليهم إلا قارنتها أخرى تثبته للّه وتنفيه عنهم ، ابتلاء من اللّه لعباده ليتميز الراسخ - الذي ينسب للمكلفين الكسب المفيد لأثر التكليف ، وللّه الخلق المفيد لأنه سبحانه لا شريك له في خلق ولا غيره - من الطائش الذي يقول بالجبر أو التفريض . ولما كان هذا مقتضيا لأخذهم ، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من العلة قوله تعالى :
وَرَبُّكَ
مشيرا بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من الإحسان بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها ؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من أوصافه فقال :
الْغَفُورُ
أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت
ذُو الرَّحْمَةِ
أي الذي يعامل - وهو قادر - مع موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام ؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى :
لَوْ يُؤاخِذُهُمْ
أي هؤلاء الذين عادوك وآذوك ، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو يعاملهم معاملة المؤاخذ
بِما كَسَبُوا
حين كسبهم
لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ
واحدا بعد واحد ، ولكنه لا يعجل لهم ذلك
بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ
يحله بهم فيه ، ودل على أن موعده ليس كموعد غيره من العاجزين بقوله دالا على كمال قدرته :
لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ
أي الموعد
مَوْئِلًا *
أي ملجأ ينجيهم منه ، فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره .

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 59 إلى 63 ]

وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ( 59 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ( 60 ) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ( 61 ) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 62 ) قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) ولما كانت هذه سنته في القرون الماضية والأمم الخالية ، قال تعالى عاطفا على قوله « لهم موعد » مروعا لهم بالإشارة إلى ديارهم المصورة لدمارهم :
وَتِلْكَ الْقُرى
أي الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم
أَهْلَكْناهُمْ
أي حكمنا