تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 53 إلى 56 ]

وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ( 54 ) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ( 55 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) ولما قرر سبحانه ما لهم مع شركائهم ، ذكر حالهم في استمرار جهلهم ، فقال تعالى :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ
أي العريقون في الإجرام
النَّارَ
أي ورأوا ، ولكنه أظهر للدلالة على تعليق الحكم بالوصف
فَظَنُّوا
ظنا
أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ
أي والحال أنهم لم
يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً *
أي مكانا ينصرفون إليه ، فالموضع موضع التحقق ، ولكن ظنهم جريا على عادتهم في الجهل كما قالوا
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
[ الكهف : 4 ] بغير علم و
ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً
[ الكهف : 35 ] ،
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
[ الكهف : 36 ] ،
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
[ الجاثية : 32 ] مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها . ولما كان الكلام في قوة أن يقال : صرفنا هذه الأخبار بما أشارت إليه من الأسرار الكبار ، فقامت دلائل الشريعة الجلائل ، وأضاءت بها جواهر المعاني الزواهر ، عطف على ذلك :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا
أي بما لنا من العظمة . ولما كانت هذه السورة في وصف الكتاب ، اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى :
فِي هذَا الْقُرْآنِ
أي القيم الذي لا عوج فيه ، مع جمعه للمعاني ونشره الفارق بين الملبسات
لِلنَّاسِ
أي المزلزلين فضلا عن الثابتين
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
أي حوّلنا الكلام وطرقناه في كل وجه من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة ، والأساليب المتناسقة ، ما سار بها في غرابته كالمثل ، يقبله كل من يسمعه ، وتضرب به آباط الإبل في سائر البلاد ، بين العباد ، فتبشر به قلوبهم ، وتلهج به ألسنتهم ، فلم يتقبلوه وجادلوا فيه ؛ ثم نبه على الوصف المقتضى لذلك بقوله تعالى :
وَكانَ الْإِنْسانُ
الذي جعل خصيما وهو آنس بنفسه جبلة وطبعا
أَكْثَرَ شَيْءٍ
وميز الأكثرية بقوله تعالى :
جَدَلًا *
لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا البيان ، الذي أضاء جميع الأكوان . ولما بين إعراضهم ، بين موجبه عندهم فقال :
وَما مَنَعَ
ولما كان الناس تبعا لقريش قال :
النَّاسَ
أي الذين جادلوا بالباطل ، الإيمان - هكذا كان الأصل ، ولكنه عبر عن هذا المفعول الثاني بقوله تعالى :
أَنْ يُؤْمِنُوا
ليفيد التجديد وذمهم على الترك
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 481 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي