التسبيح من كل شيء الذي هو من أعظم مقاصد السورة كما تقدم نص الزبور به قريبا ، فكان ذكر تفضيله به هنا أنسب شيء لهذا المقام ، وفي ذلك أعظم إشارة وأجل تنبيه على فضل بيت المقدس الذي جعله سببا لتفضيل الأنبياء تارة بالهجرة إليه كإبراهيم عليه السّلام وتارة بقصد تطهيره من الشرك وتنويره بالتوحيد كموسى عليه السّلام ، وتارة بتأسيس بنيانه وتشييد أركانه كداود عليه السّلام ، وتارة بالإسراء إليه والإمامة بالأنبياء عليهم السّلام به والعروج منه إلى سدرة المنتهى والمقام الأعلى ، وأما تفضيله وتفضيل ابنه سليمان - على نبينا محمد وعليهما الصلاة والسّلام - بالملك وسعة الأمر فدخل في قوله تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
وروى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : خفف على داود القراءة فكان يأمر بدوابه لتسرج ، فكان يقرأ قبل أن يفرغ - يعني القرآن ، ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السّلام وزبوره بالذكر هنا ذكر البعث الذي هذا مقامه فيه صريحا ، وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك ، أما البعث فلا ذكر له فيها أصلا ، وأما النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها إلا الجحيم في موضع واحد ، وأما الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في غير موضع ، وأما البعث فصرح به ، وهو ظاهر في كونه بالروح والجسد ، قال في المزمور الثالث بعد المائة : نفسي تبارك الرب ، الرب إلهي عظيم جدا ، لبس المجد ، وعظيم البهاء ، وتجلل بالنور كالرداء ، ومد السماء كالخباء ، جعل الماء أساسها ، واستوى على السحاب ، ومشى على أجنحة الرياح ، خلق ملائكته أرواحا وخدمه نارا واقدة ، وتجلل بالغمر كالرداء ، وعلى الجبال تقف المياه ، ومن رجزك قهرت ، ومن صوت رعدك تجزع الجبال عالية ، والبقاع منهبطة في الأماكن التي أسست ، جعلت حدا لا تتجاوزه ، لا تعود تغطي الأرض ، أرسل الماء عيونا في الأودية ، وبين الجبال تجري المياه لتسقي حيوان البر ، وتروي عطاش الوحوش ، يقع عليها طائر السماء إلى أن قال : وكل بحكمة صنعت ، امتلأت الأرض من خليقتك ، هذا البحر العظيم السعة فيه حيتان لا تحصى كبار وصغار ، وفيه تسلك السفن ، وهذا التنين الذي خلقته ليتعجب منه ، والكل إياك يرجون لتعطيهم طعامهم في حينه ، فإذا أنت أعطيتهم يعيشون ، وعند بسط يدك بالطيبات يشبعون ، وحين تصرف وجهك يجزعون ، تنزع أرواحهم فيموتون ، وإلى التراب يرجعون ، ترسل روحك فيخلقون ، وتجدد وجه الأرض دفعة أخرى ، ويكون مجد الرب إلى الأبد - انتهى . فكأن ذلك جواب لقول من لعله يقول للعرب من اليهود : إن الأمر كما تقولون في أنه لا قيامة - كما يقوله بعض زنادقتهم كما ذكر عنهم في نص الإنجيل وكما نقل عنهم في سورة النساء أنهم قالوا :