ولما كان قد فهم من هذا السياق تفضيل بعض الأشياء على بعض حتى تصير قابلة الروح الحياة بدءا وإعادة ، بعد أن فهم من أول السورة وآخر التي قبلها اختصاص بعض الأنبياء بفضائل من روح العلم والحكمة لم يحزها غيره ، صرح بهذا هنا فقال تعالى عطفا على ما أرشد إليه سياق الإخبار بالأعلمية ، ملتفتا إلى مقام العظمة الداعي إليه الحال ، وهو الوصف بالأعلمية :
وَلَقَدْ
أي فميزنا بينهم بالرذائل والفضائل تفضيلا لبعضهم على بعض على حسب إحاطة علمنا بهم وشمول قدرتنا لهم في تأهلهم للسعادة والشقاوة ففضلنا بعض الناس على بعض ، ففضلنا العلماء على غيرهم ، وفضلنا النبيين منهم على غيرهم ، ولقد
فَضَّلْنا
أي بما لنا من العظمة
بَعْضَ النَّبِيِّينَ
أي سواء كانوا رسلا أو لا
عَلى بَعْضٍ
بعد أن جعلنا الكل فضلاء لتقوى كل منهم وإحسانه ، فلا ينكر أحد من العرب أو بني إسرائيل أو غيرهم تفضيلنا لهذا النبي الكريم الذي صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق ، فإنا نفعل ما نشاء ، بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل ، والحاصل أن من أعظم ثمرات العلم التفضيل بإعطاء كل واحد بل كل شيء ما يستحقه ، وبذلك يستدل على تمام - حكمته في شمول علمه وكمال قدرته ، فلذلك ذكر التفضيل هنا بعد ذكر العلم المطلق ، وصرح بتفضيل أشرف الخلائق وطوى ذكر غيرهم ، كما ذكر التفضيل في الدنيا بعد إثبات العلم المقيد بالذنوب في قوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ
- إلى قوله تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ .
ولما كان القصد إلى بني إسرائيل في هذه السورة سابقها ولا حقها ظاهرا ، والتعريض بهم في كثير منها بينا ، وكان داود عليه السّلام هو المؤسس للمسجد الأقصى الذي وقع الإسراء إليه ، وكان قد خص بأن ألين له الحديد الذي أمر المشركون أن يكونوه ، لاستبعادهم الإعادة ، وكان - مع كونه ملكا - من أشد الناس تواضعا ، وأكثرهم بكاء ، وأبعدهم من المرح في الأرض ، قال تعالى :
وَآتَيْنا
أي بما لنا من العظمة
داوُدَ
أي الذي هو من أتباع موسى الذي آتيناه الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا يتخذوا من دوني وكيلا
زَبُوراً *
لأنهم قاطعون بأن من بين موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل دون موسى في الرتبة ، وكل منهم داع إلى شريعته ، عامل بحكم التوراة التي شرفه اللّه بها ، غير خارج عن شيء من سنتها ، فكان القياس يقتضي أن يكونوا في الفضيلة سواء ، فلم يجر ذلك على مقتضى عقول الناس ، بل فاوت سبحانه بينهم على حسب علمه بأحوالهم حتى في الوحي ، فخص من بينهم داود عليه السّلام بكتاب كله مواعظ ، والمواعظ أشد شيء منافاة للمشي في الأرض مرحا ، ونهيا عنه ، وأعظم شيء أمرا بالقول الذي هو أحسن من الإخلاص والمراقبة والإحسان ، هذا إلى ما ذكر فيه من