في الإصغاء والميل لقصد السمع
بِهِ
من الآذان والقلوب ، أو بسببه من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع تكذيبهم واستهزائهم
إِذْ
أي حين
يَسْتَمِعُونَ
أي يصغون بجهدهم ؛ وبين بعدهم المعنوي بقوله تعالى :
إِلَيْكَ وَإِذْ
أي وحين
هُمْ
ذوو
نَجْوى
أي يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماع : ثم ذكر ظرف النجوى فقال تعالى :
إِذْ يَقُولُ
مبرزا لضميرهم بالوصف الدال على حملهم على ما تناجوا به ، وهم
الظَّالِمُونَ
ومقولهم :
إِنْ تَتَّبِعُونَ
أي أيها التابعون له بغاية جهدكم
إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً *
مختلط العقل ، فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم ، وسيأتي في آخر السورة سر استعمال اسم المفعول موضع اسم الفاعل ؛
ثم وصل بذلك الدليل على نسبته سبحانه لهم إلى الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى :
انْظُرْ
ولما كان أمرهم بما يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال تعالى :
كَيْفَ ضَرَبُوا
أي هؤلاء الضلال
لَكَ الْأَمْثالَ
التي هي أبعد شيء عن صفتك من قولهم : ساحر وشاعر ومجنون ونحوه
فَضَلُّوا
عن الحق في جميع ذلك
فَلا
أي فتسبب عن ضلالهم أنهم لا
يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا *
أي يسلكون فيه ، إلى إصابة المحن في مثل ، أو إحكام الأمر في عمل ، وهذا بعد أن نهاهم اللّه بقوله تعالى
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ النحل : 74 ] فكأن هذا أول دليل على ما وصفناهم به من عدم الفهم والسمع فضلا عن أن يكون لهم إلى مقاومة هذا القرآن - الذي يدعون أنه قول البشر - سبيل أو يغبروا في وجهه بشبهة فضلا عن دليل .
ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد ، وقدم الدلالة على الأولين ، وختم بإثبات جهلهم في النبوة مع ظهورها ، أتبع ذلك أمرا جليا في ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير ، وحرره أتم تحرير ، فقال تعالى معجبا منهم :
وَقالُوا
أي المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث مع اعترافهم بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت أنا نحيي الأرض بعد موتها :
أَ إِذا
استفهاما إنكاريا كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونه ، والعامل في
إِذا
فعل من لفظ ( مبعوثون ) لا هو . فإن ما بعد ( إن ) لا يعمل فيما قبلها . فالمعنى : أنبعث إذا
كُنَّا
أي بجملة أجسامنا كونا لازما
عِظاماً وَرُفاتاً
أي حطاما مكسرا مفتتا وغبارا
إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
حال كوننا مخلوقين
خَلْقاً جَدِيداً *
فكأنه قيل : فماذا يقال لهم في الجواب ؟ فقيل :
قُلْ
لهم : لا تكونوا رفاتا ، بل
كُونُوا
ترابا ، بل كونوا أصلب التراب
حِجارَةً
أي هي في غاية اليبس
أَوْ حَدِيداً *
زاد على يبس الحجارة شدة اتصال الأجزاء
أَوْ خَلْقاً
غيرهما
مِمَّا يَكْبُرُ
أي يعظم عظمة كبيرة
فِي صُدُورِكُمْ