وأمر
رَبُّكَ
أي المحسن إليك أمرا حتما مقطوعا به ماضيا لا يحتمل النزاع ؛ ثم فسر هذا الأمر بقوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا
أي أنت وجميع أهل دعوتك ، وهم جميع الخلق
إِلَّا إِيَّاهُ
فإن ذلك هو الإحسان .
ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبها على وجوب ذلك باسم الرب ، أتبعه الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال :
وَبِالْوالِدَيْنِ
أي وأحسنوا ، أي أوقعوا الإحسان بهما
إِحْساناً
بالاتباع في الحق إن كانا حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح عليهما السّلام فإن ذلك يزيد في حسناتهما ، وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما واللطف بهما ما لم يجر إلى فساد ليكون اللّه معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .
ولما كان سبحانه عليما بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السن ، قال تعالى :
إِمَّا
مؤكدا بإدخال « ما » على الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماما بشأن الأبوين
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ
أي بأن يضطر إليك فلا يكون لهما كافل غيرك
الْكِبَرَ
ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت بقوله تعالى :
أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما
فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
أي لا تتضجر منهما ، وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيرا هنا ؛ ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من باب الأولى تعظيما للمقام فقال :
وَلا تَنْهَرْهُما
فيما لا ترضاه ؛ والنهر : زجر بإغلاظ وصياح . وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي رحمه اللّه في كتابه في أصول الفقه : وقد أولع الأصوليون بأن يذكروا في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على الأعلى - قوله تعالى : ولا
تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
بناء على أن التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب ، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة ، لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفيف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذل ، ولذلك عطف عليه
وَلا تَنْهَرْهُما
لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى ، ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء ، أو أحرى ، كما لو قال قائل : من يعمل ذرة خيرا يره ، ومن يعمل قيراطا يره ، لم يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه ، ولعل ذلك شيء وهل فيه وأهل فسلك إثره من غير اعتبار لقوله - انتهى .
ولما نهاه عن عقوقهما تقديما لما تدرأ به المفسدة ، أمره ببرهما جلبا للمصلحة ، فقال تعالى :
وَقُلْ لَهُما
أي بدل النهر وغيره
قَوْلًا كَرِيماً *
أي حسنا جميلا يرضاه اللّه ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس ، كما يقتضيه حسن الأدب وجميل المروءة ،
ومن ذلك أنك لا تدعوهما بأسمائهما ، بل بيا أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا
وَاخْفِضْ لَهُما
ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل ،