يكن عنده ما يعطي وسئل قال : يرزقنا اللّه وإياكم من فضله « 1 » - انتهى . وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه ، فوضع المسبب موضع السبب .
ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم ، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم ، في سياق ينفر منه ومن الإسراف ، فقال ممثلا لهما بادئا بمثال الشح :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ
بالبخل
مَغْلُولَةً
أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل
إِلى عُنُقِكَ
لا تستطيع مدها
وَلا تَبْسُطْها
بالبذل
كُلَّ الْبَسْطِ
فتبذر
فَتَقْعُدَ
أي توجد كالمقعد ، بالقبض
مَلُوماً
أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند اللّه ، لأن ذلك مما نهى عنه ، وعند الناس ، وبالبسط
مَحْسُوراً *
منقطعا بك لذهاب ما تقوى به وانحساره عنك ، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 30 إلى 33 ]
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً ( 32 ) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ( 33 )
ولما كان سبب البخل خوف الفقر ، وسبب البسط محبة إغناء المعطي ، قال مسليا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم عما كان يرهقه من الإضافة عن التوسعة على من يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم ، لا لهوان بالمضيق عليه ، ولا لإكرام للموسع عليه :
إِنَّ رَبَّكَ
أي المحسن إليك
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ
البسط له دون غيره
وَيَقْدِرُ
أي يضيق كذلك سواء قبض يده أو بسطها
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ
[ الشورى : 27 ] ولكنه تعالى لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ، ولا بالمقبوض عنه أقصى مكروهه ، فاستنوا في إنفاقكم على عباده بسنته في الاقتصاد
إِنَّهُ كانَ
أي كونا هو في غاية المكنة
بِعِبادِهِ خَبِيراً
أي بالغ الخبر
بَصِيراً *
أي بالغ البصر بما يكون من كل القبض والبسط لهم مصلحة أو مفسدة .
ولما أتم سبحانه ما أراد من الوصية بالأصول وما تبع ذلك ، وختمه بما قرر من أن قبض الرزق وبسطه منه من غير أن ينفع في ذلك حيلة ، أوصاهم بالفروع ، لكونهم في غاية الضعف وكانوا يقتلون بناتهم خوف الفقر ، وكان اسم البنت قد صار عندهم لطول ما استهجنوه موجبا للقسوة ، فقال في النهي عن ذلك مواجها لهم ، إعلاما ببعده صلى
هامش
( 1 ) لم أجده . ولا ذكره السيوطي في الدر المنثور عند هذه الآية ولا الطبري فاللّه أعلم .