تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
بقسر قادر قهرهم على ذلك ، وهو من تنزه عن النقص وحاز كل كمال ، فاستحق أن لا توجه رغبة راغب إلا إليه . ولما نبه على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته ، أخبر أن ما بعد الموت كذلك من غير فرق فقال :
وَلَلْآخِرَةُ
أكد الإخبار عما فيها المستلزم لتأكيد الإعلام بوجودها لما لهم من إنكاره
أَكْبَرُ دَرَجاتٍ
من هذه الحياة الدنيا
وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا *
أولا بالجنة والنار أنفسهما ، وثانيا بالدرجات في الجنة والدركات في النار ؛ ولما كان العلم هنا مقيدا بالذنوب ، ذكر بعد المفاضلة في الدنيا ، ولعل في ذلك إشارة إلى أن أكثر من يزاد في الدنيا تكون زيادته نقصا من آخرته بسبب ذنب اكتسبه أو تقصير ارتكبه ، ولما كان العلم فيما يأتي في قوله تعالى :
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ
مطلقا ، طوى بعده الرذائل ، وعطف على ذلك المطوي الفضائل ، فقال تعالى :
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ ، النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
الآية ، فمن كانت له نفس أبية وهمة علية كان عليه أن يزهد في علو فان لأجل العلو الباقي .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 22 إلى 25 ]

لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) ولما تقرر بما مضى أن له سبحانه الأمر كله ، وأنه متصف بجميع الكمال منزه عن شوائب النقص ، أنتج أنه لا إله غيره ، فقال تعالى يخاطب الرأس لأن ذلك أوقع في أنفس الأتباع ، وإشارة إلى أنه لا يوحده حق توحيده سواه ، ويجوز أن يكون خطابا عاما لكل من يصح أن يخاطب به :
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ
الذي له جميع صفات الكمال
إِلهاً
وسيأتي قريبا سر قوله :
آخَرَ
أنه مفهوم من المعية
فَتَقْعُدَ
أي فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي تصير في الدنيا قبل الآخرة
مَذْمُوماً .
ولما كان الذم قد يحتمله بعض الناس مع بلوغ الأمل ، بين أنه مع الخيبة فقال تعالى :
مَخْذُولًا *
أي غير منصور فيما أردته من غير أن يغني عنك أحد بشفاعة أو غيرها . ولما قرع الأسماع بهذا النهي المحتم لتوحيده ، أتبعه الإخبار بالأمر بذلك جمعا في ذلك بين صريحي الأمر والنهي تصريحا بعد التنزيه له عن الشريك بالإفراد له في العبادة في أسلوب الخبر ، إعلاما بعظم المقام فقال تعالى :
وَقَضى
أي نهاك عن ذلك
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 373 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي