ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم ، نقض لهم شبهة أخرى بأوضح من ذلك وأفضح فقال تعالى :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ
أي علما مستمرا
أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
أي أيضا قولا متكررا لا يزالون يلهجون به
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
وهم يعلمون أن ذلك سفساف من القول ؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى :
لِسانُ
أي لغة وكلام الذين
يُلْحِدُونَ
أي يميلون أو يشيرون
إِلَيْهِ
بأنه علمه إياه ، مائلين عن القصد جائرين عادلين عن الحق ظالمين
أَعْجَمِيٌّ
أي غير لغة العرب ، وهو مع ذلك ألكن في النادية غير بين ، وهو غلام كان نصرانيا لبعض قريش اختلف في اسمه ، وهذا التركيب وضع في لسان العرب للإبهام والإخفاء ، ومنه عجم الزبيب - لاستتاره ، والعجماء : البهيمة - لأنها لا تقدر على إيضاح ما في نفسها ، وأما أعجمت الكتاب فهو للإزالة .
وَهذا
أي القرآن
لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ *
أي هو من شدة بيانه مظهر لغيره أنه ذو بيان عظيم ، فلو أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما علم ، فكيف وهو أعجمي .
فلما بانت بهذا فضيحتهم ، كان كأنه قيل : إن من العجب إقدامهم على مثل هذا العار وهم يدعون النزاهة ؟ فأجاب بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
أي يصدقون كل تصديق معترفين
بِآياتِ اللَّهِ
أي الذي له العظمة كلها
لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ
أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق ، بل يضلهم عن القصد ، فلذلك يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر لمن بالغ في العناد ، بسد باب الفهم والسداد .
ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه اللوم عليهم نفى ذلك بقوله :
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ *
أي بذلك ، لمباشرتهم له مع حجب المراد عنهم وخلق القدرة لهم ، إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض .
ولما زيف شبههم ، أثبت لهم ما قذفوه به وهو بريء منه مقصورا عليهم ، فقال تعالى :
إِنَّما يَفْتَرِي
أي يتعمد
الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
أي لا يتجدد منهم الإيمان
بِآياتِ اللَّهِ
أي الذي له الكمال كله ، فإن ردهم لما قام الدليل على أنه حق وعجزوا عنه تعمد منهم للكذب ؛ ثم قصر مطلق الكذب عليهم فقال :
وَأُولئِكَ
أي البعداء البغضاء
هُمُ
أي خاصة
الْكاذِبُونَ *
أي العريقون في الكذب ظاهرا وباطنا .