ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقا ، أتبعهم صنفا منهم هم أشدهم كفرا فقال تعالى :
مَنْ
أي أي مخلوق وقع له أنه
كَفَرَ بِاللَّهِ
أي الذي له صفات الكمال ، بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر ، ولما كان الكفر كله ضارا وإن قصر زمنه ، أثبت الجار فقال تعالى : و
مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ
بالفعل أو بالقوة ، لما قام على الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس فصار استكباره عن الإيمان ارتدادا عنه وجواب الشرط دل ما قبله وما بعده على أنه : فهو الكاذب ، أو فعليه غضب من اللّه
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر
وَقَلْبُهُ
أي والحال أن قلبه
مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
فلا شيء عليه ، وأجمعوا - مع إباحة ذلك له - أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر ، بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة ، والآية نزلت في عمار بن ياسر رضي اللّه عنه أكرهوه فتابعهم وهو كاره ، فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم : كلا ! إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلّم وهو يبكي ، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول : إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت « 1 » .
وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ
أي فتح فتحا صار يرشح به
بِالْكُفْرِ صَدْراً
أي منه أو من غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان ، وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة
فَعَلَيْهِمْ
لرضاهم به
غَضَبٌ
أي غضب ؛ ثم بين جهة عظمه بكونه
مِنَ اللَّهِ
أي الملك الأعظم
وَلَهُمْ
أي بظواهرهم وبواطنهم
عَذابٌ عَظِيمٌ *
لارتدادهم على أعقابهم .
ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديرا بالتعجب منه ، كان كأنه قيل : لم يفعلون ، أو لم يفعل بهم ذلك ؟ فقال تعالى :
ذلِكَ
الارتداد أو الوعيد العظيم
بِأَنَّهُمُ
أي بسبب أنهم
اسْتَحَبُّوا
أي أحبوا حبا عظيما
الْحَياةَ الدُّنْيا
أي الدنيئة الحاضرة الفانية ، فآثروها
عَلَى الْآخِرَةِ
الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن من الضيق والكافر من السعة
وَ
بسبب
أَنَّ اللَّهَ
أي الملك الذي له الغنى
هامش
( 1 ) علّقه الواحدي في أسباب النزول ص 212 عن ابن عباس أما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « عمار مليء إيمانا إلى قرنه . . . » فقد أخرجه الحاكم بلفظ « مشاشته » 3 / 392 والنسائي 8 / 111 وفي فضائل الصحابة 168 عن عبد اللّه وأخرجه ابن حبان 7076 وابن ماجة 147 وأبو نعيم في الحلية 1 / 139 وابن أبي شيبة في الإيمان 93 والمصنف 12 / 121 عن علي رضي اللّه عنه .
قال الحاكم عقب حديث عبد اللّه بن مسعود : إسناده على شرطهما ، إن كان محمد بن أبي يعقوب حفظه عن ابن مهدي ، فقد رويناه من وجه آخر عن عمرو بن شرحبيل عن رجل من الصحابة اه .
وجهالة الصحابي لا تضر إن كان الإسناد صحيحا وهو كذلك .