حيلة فقال :
بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
لا يوجد في شيء من ذلك عند إحلاله شفاء ، ولا يمنعه دواء ، فبادروا إلى التفكر والاعتبار قبل حلول أحد هذين ، ثم علل ذلك بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ
أي الذي له الإحاطة الكاملة
عَلِيمٌ قَدِيرٌ *
أي بالغ العلم شامل القدرة ، فمهما أراد كان ، ومهما أراد غيره ولم يرده هو ، أحاط به علمه ، فسبب له بقدرته ما يمنعه .
ولما ذكر المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة الموت ، ثنى بالمفاوتة في الأرزاق فقال تعالى :
وَاللَّهُ
أي الذي له الأمر كله
فَضَّلَ بَعْضَكُمْ
أيها الناس
عَلى بَعْضٍ .
ولما كانت وجوه التفضيل كثيرة ، وكان التفضيل في المعاش الذي يظن الإنسان أن له قدرة على تحصيله ، وكانت المفاوتة فيه أدل على تمام القدرة والفعل بالاختيار الذي السياق له ، قال تعالى :
فِي الرِّزْقِ
أي ولربما جعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم ، فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب ، وأقبلوا بجميع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار ؛ قال الإمام أبو نعيم في الحلية : حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد ثنا أحمد بن أحمد بن عمرو الخلال قال : سمعت ابن أبي عمر يقول : كنا عند سفيان بن عيينة فذكروا الفضل بن الربيع ودهاءه ، فأنشأ سفيان يقول :
كم من قويّ قوي في تقلبه * مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط * كأنه من خليج البحر يغترف
وعن نوادر أبي علي القالي أنه قال : قال أبو بكر بن الأنباري : وحدثني أبي قال :
بعث سليمان المهلبي إلى الخليل بن أحمد بمائة ألف درهم وطالبه بصحبته فرد عليه المائة ألف ، وكتب إليه هذه الأبيات :
أبلغ سليمان أني عنه في سعة * وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخي بنفسي أني لا أرى أحدا * يموت هزلا ولا يبقى على حال
فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه * ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه * ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
ولما كان جعل المملوك في رتبة المالك مما يتعاظمهم في حقوقهم مع أنه في الحقيقة لا مالك ولا ملك ، فلا يدينون لذلك ولا يدانونه وإن جل الخطب وأدى إلى ذهاب الأرواح ، بل من كانت أمه مملوكة حطوا رتبته وإن كان أبوه من كان ، وإن كانت العبرة عندهم في النسب بالأب ، وهذا هو الذي أحوج عنترة إلى قوله :
إني امرؤ من خير عبس منصبا * شطري وأحمي سائري بالمنصل