وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
[ الأعراف : 179 ] ،
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ
- إلى قوله :
وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ المنافقون : 8 ] ،
يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا
- الآية إلى قوله تعالى :
وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ
نفي العلم فيما ظهرت أعلامه والفقه فيما خفي أمره ، ومراد البيان عن أضدادها هذه الأوصاف بحسب تقابلها ، وهذا الباب لمن يستفتحه من أنفع فواتح الفهم في القرآن - انتهى .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 70 إلى 73 ]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 )
ولما أيقظهم من رقدتهم ، ونبههم على عظيم غفلتهم من عموم القدرة وشمول العلم ، المقتضي للفعل بالاختيار ، المحقق للبعث وغيره ، من كل ما يريده سبحانه ببعض آياته المبثوثة في الآفاق من جماد ثم حيوان ، وختم ذلك بما هو شفاء ، ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك مذكرا بمراتب عمر الإنسان الأربع ، وهي سن الطفولية والنمو ، ثم سن الشباب الذي يكون عند انتهائه الوقوف ، ثم سن الكهولة وفيه يكون الانحطاط مع بقاء القوة ، ثم سن الانحطاط مع ظهور الضعف وهو الشيخوخة ، مضمنا ما لا يغني عنه دواء ، حثا على التفكر في آياته والتعقل لها قبل حلول ذلك الحادث ، فيفوت الفوت ، ويندموا حيث لا ينفع الندم ، فقال :
وَاللَّهُ
أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما
خَلَقَكُمْ
فجعلكم بعد العدم أحياء فهّما خصّما
ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ
على اختلاف الأسنان ، فلا يقدر الصغير على أن يؤخر ، ولا الكبير على أن يقدم ، فمنكم من يموت حال قوته
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ
أي بأيسر أمر منا ، لا يقدر على مخالفته بوجه
إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
لأنه يهرم فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف مع استقذار غيره له ، ولا يرجى بعده
لِكَيْ لا يَعْلَمَ .
ولما كان مقصود السورة الدلالة على تمام القدرة وشمول العلم والتنزه عن كل شائبة نقص ، وكان السياق هنا لذلك أيضا بدليل ختم الآية ، نزع الخافض للدلالة على استغراق الجهل لزمن ما بعد العلم ، فيتصل بالموت ، ولا ينفع فيه دواء ولا تجدي معه