تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
شأنه ، وتعالى سلطانه ، لأن الفرق أن ملوك الدنيا المقيس عليهم إنما أقاموا من ذكر لحاجتهم وضعف ملكهم وملكهم ، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يشغله شأن عن شأن ، وكل شيء في قبضته وتحت قهره وعظمته ، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ
أي الذي له الإحاطة الكاملة
الْأَمْثالَ
أي فتشبهوه تشبيها بغيره وإن ضرب لكم هو الأمثال ؛ قال أبو حيان وغيره : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى . وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك باللّه والتشبيه به ، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة - انتهى . وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره ، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، لا سيما في هذا لأن الخطأ فيه كفر ، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ
أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره
يَعْلَمُ
أي له جميع صفة العلم ، فإذا ضرب مثلا أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقا ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ *
أي ليس لكم علم أصلا ، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس ، وهذا المقام عال ومسلكه وعر ، وسالكه على غاية من الخطر . ولما ختم سبحانه بذلك تأكيدا لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم ، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن ، ولا يتوجه نحوها الشكوك - :
ضَرَبَ اللَّهُ
أي الذي له كمال العلم وتمام القدرة
مَثَلًا
بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه ؛ ثم أبدل من مثلا :
عَبْداً
ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى اللّه تعالى ، قال تعالى :
مَمْلُوكاً
لا مكاتبا ولا فيه شائبة للحرية
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
بإذن سيده ولا غيره ، وهذا مثل شركائهم ، ثم عطف على
« عَبْداً »
قوله :
وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا
من الأحرار
رِزْقاً حَسَناً
واسعا طيبا
فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ
دائما ، وهو معنى
سِرًّا وَجَهْراً
وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى ؛ ثم بكتهم إنكارا عليهم بقوله تعالى :
هَلْ يَسْتَوُونَ
أي هذان الفريقان الممثل بهما ، لأن المراد الجنس ، فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوي بين مخلوقين : أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز ، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين اللّه الذي له القدرة التامة على كل شيء ؟ ولما كان الجواب قطعا : لا ، وعلم أن الفاضل ما كان مثالا له سبحانه ، علم أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة . فثبت مضمون
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
وأن غيره تعالى لا يساوي شيئا ، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى ، فعبر عن ذلك بقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 293 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي