هي نتيجة الرهبة :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ
أي الذي له العظمة كلها
تَتَّقُونَ *
وأتبع ذلك ما يوجب تعظيم الإنكار عليهم ، فقال مبينا أنه لا ينبغي أن يتعلق خوف ولا رجاء إلا به :
وَما بِكُمْ
أي التبس بكم أيها الناس عامة مؤمنكم وكافركم
مِنْ نِعْمَةٍ
أي جليلة أو حقيرة
فَمِنَ اللَّهِ
أي المحيط بكل شيء وحده لا من غيره .
ولما كان إخلاصهم له - مع ادعائهم ألوهية غيره - أمرا مستبعدا ، عبر بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى :
ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ
أي أدنى مس
الضُّرُّ
بزوال نعمة مما أنعم به عليكم
فَإِلَيْهِ
أي وحده
تَجْئَرُونَ *
أي ترفعون أصواتكم بالاستعانة لما ركز في فطركم الأولية السليمة من أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 54 إلى 58 ]
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 54 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 55 ) وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 )
ولما كان الرجوع إلى الإشراك بعد الإخلاص مستبعدا أيضا لاستهجانهم سرعة الاستحالة ، قال تعالى :
ثُمَّ إِذا كَشَفَ
سبحانه عما تشركون
الضُّرَّ
أي الذي مسكم
عَنْكُمْ
ونبه على مسارعة الإنسان في الكفران فقال تعالى :
إِذا فَرِيقٌ
أي جماعة هم أهل فرقة وضلال
مِنْكُمْ
أيها العباد !
بِرَبِّهِمْ
الذي تفرد بالإنعام عليهم
يُشْرِكُونَ *
أي يوقعون الإشراك به بعبادة غيره تغيرا منهم عما كانوا عليه عند الاستغاثة به في الشدة ، فكان منطبقا عليهم ما ضربوا المثل بكراهته بقولهم :
وإذا تكون كريهة أدعى لها * وإذا يحاس الحيس « 1 » يدعى جندب
وهذا أجهل الجهل .
ولما كان هذا ملزوما بجحد النعمة ، وكان من شأن العاقل البصير بالأمور - كما يدعونه لأنفسهم - أن لا يغفل عن شيء من لوازم ما يقدم عليه ، قال :
لِيَكْفُرُوا
أي يوقعوا التغطية لأدلة التوحيد التي دلتهم عليها غرائز عقولهم
بِما آتَيْناهُمْ
أي من النعمة ، تنبيها على أنهم ما أقدموا على ذلك الشرك إلا لهذا الغرض إحلالا لهم محل العقلاء البصراء الذين يزعمون أنهم أعلاهم ، ورفعا لهم عن أحوال من يقدم على ما لا
هامش
( 1 ) الحيس : الخلط . وتمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه . ويطلق أيضا على الأمر الرديء الغير محكم .