تعالى :
وَإِذا
أي جعلوا كذا والحال أنه إذا
بُشِّرَ أَحَدُهُمْ
ولما تعين المراد وزال المحذور ، جمع بين الخساستين كما بين آخر الصافات فقال تعالى :
بِالْأُنْثى
أي قابل هذه البشرى التي تستحق السرور بحصول نسمة تكون سببا لزيادة هذا النوع ، وقد تكون سبب سعادته ، دالة على عظمة اللّه - بضد ما تستحق مما لا يفيده شيئا بأن
ظَلَّ وَجْهُهُ
وكنى عن العبوس والتكدر والغبرة بما يفور فيه من الغيظ بقوله تعالى :
مُسْوَدًّا
أي من الغم والكراهة ، ولعله اختير لفظ « ظل » الذي معناه العمل نهارا وإن كان المراد العموم في النهار وغيره دلالة على شهرة هذا الوصف شهرة ما يشاهد نهارا
وَهُوَ كَظِيمٌ *
ممتلئ غيظا على المرأة ولا ذنب لها بوجه ، والبشارة في أصل اللغة : الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور ، ثم خص في عرف اللغة بالسرور ، ولا تكون إلا بالخبر الأول ، ولعله عبر عنه بهذا اللفظ تنبيها على تعكيسهم للأمور في جعلهم وسرورهم وحزنهم وغير ذلك من أمرهم .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 59 إلى 61 ]
يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 )
ولما كان سواد الوجه والكظم قد لا يصحبه الخزي ، وصل به قوله تعالى :
يَتَوارى
أي يستخفي بما يجعله في موضع كأنه الوراء لا اطلاع لأحد عليه
مِنَ الْقَوْمِ
أي الرجال الذين هو فيهم
مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ
لعده له خزيا ، ثم بين ما يلحقه من الحيرة في الفكر عند ذلك بقوله تعالى :
أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ
أي ذلك وسفول أمر ، ولما كانوا يغيبون الموءودة في الأرض على غير هيئة الدفن ، عبر عنه بالدس فقال تعالى :
أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ
قال ابن ميلق : قال المفسرون : كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفيرة وجلست على شفيرها ، فإن وضعت ذكرا أظهرته ، وظهر السرور على أهله ، وإن وضعت أنثى استأذنت مستولدها ، فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمر بإلقائها في الحفيرة ورد التراب عليها وهي حية لتموت - انتهى . قالوا :
وكان الوأد في مضر وخزاعة وتميم .
ولما كان حكمهم هذا بالغا في القباحة ، وصفه بما يستحقه فقال مؤكدا لقبحه :
أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ *
أي بجعل ما يكرهونه لمولاهم الذي لا نعمة عندهم إلا منه ، وجعل ما يختارونه لهم خاصا بهم .