تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
ما كان انتصب إليه عند الشروق ، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالبا في تفيئه جهة اليسار ، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيها على ذلك ، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء . ولما كانت كثرة الخاضعين أدل على القهر وأهيب ، جمع بالنظر إلى معنى
« ما »
في قوله :
سُجَّداً
أي حال كونهم خضعا
لِلَّهِ
أي الملك الأعلى بما فيهم من الحاجة إلى مدبرهم . ولما كان امتداد الظل قسريا لا يمكن أحدا الانفصال عنه ، قال جامعا بالواو والنون تغليبا :
وَهُمْ داخِرُونَ *
ذلا وصغارا ، لا يمتنع شيء منهم على تصريفه ، وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره ، والتغير دال على المغير . ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان ، وكان الحيوان أشرف من الجماد ، رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى :
وَلِلَّهِ
أي الذي له الأمر كله
يَسْجُدُ
أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية ، وعبر بما هو ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى :
ما فِي السَّماواتِ
ولما كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع والعاصي ، أعاد الموصول فقال تعالى :
وَما فِي الْأَرْضِ
ثم بين ذلك بقوله تعالى :
مِنْ دابَّةٍ
أي عاقلة وغير عاقلة . ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه ، قال مبينا لخضوع المقربين تخصيصا لهم وإن كان الكلام قد شملهم :
وَالْمَلائِكَةُ .
ولما كان الخاضع قد يحكم بخضوعه وإن كان باطنه مخالفا لظاهره ، قال - دالا على أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرها ، وعبر عن السجودين : الموافق للأمر والإرادة طوعا ، والموافق للإرادة المخالف للأمر كرها ، بلفظ واحد ، لأنه يجوز الجمع بين مفهومي المشترك والحقيقة والمجاز بلفظ :
وَهُمْ
أي الملائكة
لا يَسْتَكْبِرُونَ *
ثم علل خضوعهم بقوله دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ
أي الموجد لهم ، المدبر لأمورهم ، المحسن إليهم ، خوفا مبتدئا
مِنْ فَوْقِهِمْ
إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم ، أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له العلو والجبروت ، فهو المخوف المرهوب ، فهم عما نهوا عنه ينتهون
وَيَفْعَلُونَ
أي بداعية عظيمة علما منهم بما عليهم لربهم من الحق مع عدم منازع من حظ أو شهوة أو غير ذلك ، ودل على أنهم مكلفون بقوله تعالى :
ما يُؤْمَرُونَ *
فهم لرحمته لهم يرجون ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر الخوف أولا دال على الرجاء ثانيا ، وذكر الفعل ثانيا دال على الانتهاء أولا .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 275 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي