تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 18 إلى 21 ]

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 19 ) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 20 ) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 21 ) ولما كانت المقدورات لا تحصر ، وأكثرها نعم على العباد مذكرة لهم بخالقهم ، قال تعالى ممتنا عليهم بإحسانه من غير سبب منهم :
وَإِنْ تَعُدُّوا
أي كلكم
نِعْمَةَ اللَّهِ
أي إنعام الملك الأعظم الذي لا رب غيره ، عليكم وإن كان في واحدة فإن شعبها تفوت الحصر
لا تُحْصُوها
أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كفرها وإعراضكم جملة عن شكرها ، فلو شكرتم لزادكم من فضله . ولما كانوا مستحقين لسلب النعم بالإعراض عن التذكر ، والعمى عن التبصر ، أشار إلى سبب إدرارها ، فقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ
أي الذي له صفات الكمال بجميع صفات الإكرام والانتقام
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *
فلذلك هو يدر عليكم نعمه وأنتم منهمكون فيما يوجب نقمه . ولما جرت العادة بأن المكفور إحسانه يبادر إلى قطعه عند علمه بالكفر ، فكان ربما توهم متوهم أن سبب مواترة الإحسان عدم العلم بالكفران ، أو عدم العلم بكفران لا يدخل تحت المغفرة ، قال مهددا مبرزا للضمير بالاسم الأعظم الذي بنيت عليه السورة للفصل بالفرق بين الخالق وغيره ولئلا يتوهم تقيد التهديد بحيثية المغفرة إيماء إلى أن ذلك نتيجة ما مضى :
وَاللَّهُ
أي الذي له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الإكرام والانتقام
يَعْلَمُ
أي على الإطلاق
ما تُسِرُّونَ
أي كله . ولما كان الإسرار ربما حمل على حالة الخلوة ، فلم يكن علمه دالا على الإعلان ، قال تعالى :
وَما تُعْلِنُونَ *
ليعلم مقدار المضاعفة لموجبات الشكر وقباحة الكفر ، وأما الأصنام فلا تعلم شيئا فلا أسفه ممن عبدها . ولما أثبت لنفسه تعالى كمال القدرة وتمام العلم وأنه المنفرد بالخلق ، شرع يقيم الأدلة على بعد ما يشركونه به من الإلهية بسلب تلك الصفات فقال تعالى :
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
أي دعاء عبادة
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي الذي له جميع صفات الكمال
لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً
ولما كان ربما ادعى مدع في شيء أنه لا يخلق ولا يخلق ، قال :
وَهُمْ يُخْلَقُونَ * .
ولما كان من المخلوقات الميت والحي ، وكان الميت أبعد شيء عن صفة الإله ، قال نافيا عنها الحياة - بعد أن نفى القدرة والعلم - المستلزم لأن يكون عبدتها أشرف منها