لَآيَةً
ولما نبه في التي قبلها على أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا يحتاج معه إلى غير بديهة العقل ، نبه هنا على أن ذلك معلوم طرأ عليه النسيان والغفلة ، حثا على بذل الجهد في تأمل ذلك ، وإشارة إلى أن دلالته على المقصود في غاية الوضوح فقال :
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ *
ولو لم يمنعوا - بما أفاده الإدغام ؛ والتذكر : طلب المعنى بالتفكر في متعلقه ، فلا بد من حضور معنى يطلب به غيره ، وقد رتب سبحانه ذلك أبدع ترتيب ، فذكر الأجسام المركبة عموما ، ثم خص الحيوان ، ثم مطلق الجسم النامي وهو النبات ، ثم البسائط من الماء ونحوه ، ثم الأعراض من الألوان .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 14 ]
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 )
ولما دل على قدرته واختياره سبحانه دلالة على القدرة على كل ما أخبر به لا سيما الساعة ، بخلق السماوات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس ، ثم ذكر بعض ما في المكشوف من الأرض المحيط به الهواء من التفاوت الدال على تفرد الصانع واختياره ، وختمه باللون ، أتبع ذلك بالمغمور بالماء الذي لا لون له في الحقيقة ، إشارة إلى أنه ضمنه من المنافع والحيوانات التي لها من المقادير والكيفيات والأشكال والألوان البديعة التخطيط ، الغريبة الصباغ - ما هو أدل من ذلك فقال :
وَهُوَ
أي لا غيره
الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
أي ذلّله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون الجواهر ، وغير ذلك من المنافع ، والمراد به السبعة الأبحر الكائنة في الربع المرتفع عن الماء ، وهو المسكون من كرة الأرض المادّة من البحر المحيط الغامر لثلاثة أرباع الأرض ، فجعله بالتسخير بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به بالركوب والغوص وغيرهما
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ
أي بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك
لَحْماً طَرِيًّا
لا تجد أنعم منه ولا ألين ، وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى أكله عذبا لذيذا مع نشبه في ملح زعاق
وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ
أي بجهدكم في الغوص وما يتبعه
حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
أي نساؤكم ، وهن بعضكم لكم ، فكأن اللابس أنتم ، وهي من الحجارة التي لا ترى أصلب منها ولا أصفى من اللؤلؤ وكذا من المرجان وغيره ، مع نسبة هذا الصلب وذاك الطري إلى الماء ، فلو أنه فاعل بطبعه لاستويا .
ولما ذكر المنافع العامة مخاطبا لهم بها ، وكان المخر - وهو أن تجري السفينة مستقبلة الريح ، فتشق الماء ، فيسمع لجريها صوت معجب ، وذلك مع الحمل الثقيل - آية عظيمة لا يتأملها إلا أرباب القلوب خص بالخطاب أعلى أولي الألباب ، ومن قاربه