في ابتغاء الصواب ، فقال :
وَتَرَى الْفُلْكَ
ولما كان النظر إلى تعداد النعم هنا أتم منه في سورة فاطر ، قدم المخر في قوله :
مَواخِرَ فِيهِ
أي جواري تشق الماء مع صوت ، لتركبوها فتستدلوا - بعدم رسوبها فيه مع ميوعه ورقته وشدة لطافته - على وحدانية الإله وقدرته .
ولما علل التسخير بمنفعة البحر نفسه من الأكل وما تبعه ، عطف على ذلك النفع به ، فقال تعالى :
وَلِتَبْتَغُوا
أي تطلبوا طلبا عظيما بركوبه
مِنْ فَضْلِهِ
أي اللّه بالتوصل بها إلى البلدان الشاسعة للمتاجر وغيرها
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *
هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره ؛ والمخر : شق الماء عن يمين وشمال ، وهو أيضا صوت هبوب الريح إذا اشتد هبوبها ، وقد ابتدىء فيه بما يغوص تارة ويطف أخرى بالاختيار ، وثنى بما طبعه الرسوب ، وثلث بما من طبعه الطفوف .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 15 إلى 17 ]
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 17 )
ولما ذكر الأغوار ، الهابطة الضابطة للبحار ، أتبعها الأنجاد الشداد ، التي هي كالأوتاد ، تذكيرا بما فيها من النعم فقال :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ
أي وضع فيها وضعا ، كأنه قذفه فيها قذفا ، جبالا
رَواسِيَ
مماسة لها ومزينة لنواحيها ، كراهة
أَنْ تَمِيدَ
أي تميل مضطربة يمينا وشمالا ، أي فيحصل لكم الميد ، وهو دوار يعتري راكب البحر
بِكُمْ
فهي ثابتة لأجل ذلك الإلقاء ، ثابتة مع اقتضائها بالكرية التحرك .
ولما ذكر الأوهاد ، وأتبعها الأوتاد ، تلاها بما تفجره غالبا منها ، عاطفا على
رَواسِيَ
لما تضمنه العامل من معنى « جعل » فقال :
وَأَنْهاراً
وأدل دليل على ثبات الأرض ما سبقها من ذكر البحار ، ولحقها من الحديث عن الأنهار ، فإنها لو تحركت ولو بمقدار شعرة في كل يوم لأغرقت البحار من إلى جانب الانخفاض ، وتعاكست مجاري الأنهار ، فعادت منافعها أشد المضار ، ولو زادت البحار ، بما تصب فيها الأنهار ، على مر الليل وكر النهار ، لأغرقت الأرض ، ولكنه تعالى دبر الأمر بحكمته تدبيرا تعجز عن الاطلاع على كنهه أفكار الحكماء ، بأن سلط حرارة الشمس على الأرض في جميع مدة الصيف وبعض غيره من الفصول ، فسرت في أغوارها ، وحميت في أعماقها في الشتاء ، فأسخنت مياه البحار وغيرها فتصاعدت منها بخارات كما يتصاعد من القدر المغلي بقدر ما صبت فيها الأنهار ، فانعقدت تلك البخارات في الجو مياها لما بردت ، فنزل منها المطر ، فأحيا الأرض بعد موتها ، وتخلل أعماقها منه ما شاء اللّه ، فأمد الأنهار ، ولذلك