والطواعية والهوان ، فذكر أصل الإنسان وما وقع له مع إبليس - الذي هو أصل الجن كما أن آدم عليه السّلام أبو البشر - من الكيد حتى أخرجه من دار الصفاء إلى دار الكدر ، ليحذره العقلاء من بني آدم ، وفي التنبيه بابتداء الخلق على وصول البشر إلى أصل كان بمحض القدرة مخالف لهم في التكوين بين أبوين ، وانتهاء الجن إلى أصل ليس خلقه كخلقهم تنبيه عظيم على انتهاء الموجودات إلى موجود لا يجانسهم ، بل هو خالق غير مخلوق ، فاعل بالاختيار ، واحد لا شريك له ، ولا اعتراض عليه ، قادر على ما يريد سبحانه ، وفي خلقه من الماء - الذي هو كالأب - والطين - الذي هو كالأم - بمساعدة النار والهواء من الحكمة أن يكون ملائما لما في هذا العالم ، فيكون بقاءه بذلك الذي خلق منه في مأكله ومشربه وملبسه وسائر أموره ، وذلك أدل على حكمة الخالق وعلمه ووحدانيته .
ومادة « صل » تدور على الصلصال الذي هو الطين مطلقا ، أو الطين الحر يخلط بالرمل ، أو الطين ما لم يجعل خزفا ، ويتفرع جميع معاني المادة منه ، لأن من لوازمه في أوله الماء واللين بنداوته وسهولة خلطه لغيره ، فيأتي الخفاء لأنه يغرز فيه بغير صوت ، ومنها قبول التصفية من الغش ، ومنها في آخره الصلابة لشدة اليبس ، فيلزم تضامّ الأجزاء وتضايقها على انتظام أو غير انتظام ، والصوت ، وشدة الانفصال بالتشقق ، ومن لوازمه التغير بالنتن ، فيأتي الخبث والفساد ، ومن لوازمه شدة الاختلاط بحيث إذا نشب فيه شيء عسر خلاصه ، ومن لوازمه تميزه عما عداه ، ومحل يصنع فيه .
فمن الصوت واليبس : صليل الحديد والإبل ونحو ذلك ، يقال : صل الحديد واللجام : امتد صوته ، فإن توهم ترجيع الصوت قيل : صلصل ، وصل البيض : سمع له طنين عند القراع ، والمسمار صليلا : ضرب فأكره أن يدخل في الشيء ، والإبل صليلا :
يبست أمعاؤها من العطش فسمع لها صوت عند الشرب .
ومن الصوت : صلصل : أوعد وتهدد ، وقتل سيد العسكر - لظهور الصيت بذلك ، وصلصل الرعد : صفا صوته ، والكلمة : أخرجها متحذلقا ، وطائر أو الفاختة ، والراعي الحاذق ، والمصلل - كمحدث : السيد الكريم الحسيب ، الخالص النسب ، والأسكف وهو الإسكاف عند العامة ، وتصلصل الغدير : جفت حمأته ، فتهيأ لأن يصوت يبسه ، والحلي : صوت ، وحمار صلصل وصلاصل - بضمهما ، وصلصال ومصلصل : مصوت .
ومن النتن : صلول اللحم والماء ، يقال : صل اللحم صلولا : أنتن ، والماء :
أجن ، والصليان - بكسرتين مشددة اللام : ما تغير من اللحم ، والصلة - بالضم : الريح المنتنة .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 217
مساهمون: ابراهيم بن عمر البقاعي
ص٢١٧