تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة شعيب عليه السّلام عند قوله
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ *
أنه لا يكفرها إلا التوبة لما فيها من الإشعار بالتهاون بالدين ، واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية صالحة كما أفهمه صيغة الافتعال من قوله
إِنْ تَجْتَنِبُوا
[ النساء : 31 ] ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر له ذلك فأنزل اللّه عليه
أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ
- الآية ، قال الرجل : ألي هذه ؟ قال : لمن عمل بها من أمتي « 1 » . وهذا الحديث يؤيد قول ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن هذه الآية من هذه السورة المكية مدنية . ولما تم هذا على هذا الوجه الأعلى والترتيب الأولى ، قال تعالى مادحا له ليعرف مقداره فيلزم :
ذلِكَ
أي الأمر العالي الرتبة الذي تقدم من الترغيب والترهيب والتسلية وتعليم الداء والدواء للخلاص من الشقاء
ذِكْرى
أي ذكر عظيم
لِلذَّاكِرِينَ *
أي لمن فيه أهلية الذكر والانتباه به بحضور القلب وصفاء الفكر ونفوذ الفهم . ولما كان الصبر للّه على المكاره أعلى الطاعة ، أتبع ذلك قوله :
وَاصْبِرْ
أي ليكن منك صبر على الطاعات وعن المعاصي ولا تترك إنذارهم بما أمرت به مهما كان ولا تخفهم ، فإن العاقبة لك إذا فعلت ؛ ولما كان مقام الصبر صعبا والاستقامة على المحمود منه خاصة خطرا ، وكانت النفس - لما لها من الجزع في كثير من الأحوال - كالمنكرة ، أكدّ قوله :
فَإِنَّ
الصبر هو الإحسان كل الإحسان وإن
اللَّهَ
أي المحيط بصفات الكمال
لا يُضِيعُ
أي بوجه من الوجوه
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ *
أي العريقين في وصف الإحسان بحيث إنهم يعبدون اللّه كأنهم يرونه ، فلذلك يهون عليهم الصبر ، وذلك لأن الطاعة كلفة فلا تكون إلا بالصبر ، وكل ما عداها فهو هوى النفس لا صبر فيه ، فالدين كله صبر « حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات » « 2 » ولذا فضل ثواب الصابر
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] والصبر المحمود : حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز من ترك الحق ، ونقيضه الجزع ، قال الشاعر :
إن تصبرا فالصبر خير مغبة * وإن تجزعا فالأمر ما تريان
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 526 و 4687 ومسلم 2763 والترمذي 3114 والنسائي في الكبرى 7326 و 326 وابن ماجة 1398 و 4254 والواحدي في الأسباب 539 والبيهقي في السنن 8 / 241 وأحمد 1 / 385 و 430 من حديث ابن مسعود . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 6487 ومسلم 2823 وأبو داود 4744 والترمذي 2560 والنسائي 7 / 3 والقضاعي في الشهاب 567 وابن حبان 719 وأحمد 2 / 260 من حديث أبي هريرة بعضهم مطولا وبعضهم مختصرا .