تستعجلون « 1 » ؛ وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما نزلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آية أشد ولا أشق من هذه الآية . والاستقامة : الاستمرار في جهة واحدة .
ولما كانت وسطا بين إفراط وتفريط وكان التفريط لا يكاد يسلم منه إلا الفرد النادر ، وهو في الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من اللّه ، وكان الإفراط يورث إعجابا ، وربما أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين ، طوى التفريط ونهى عن الإفراط فقال :
وَلا تَطْغَوْا
أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطا ، فإن اللّه تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب نفوسكم لا لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن تقدروا اللّه حق قدره ، والدين متين لن يشاده أحد إلا غلبه ، فقد رضي منكم سبحانه الاقتصاد في العمل مع حسن المقاصد ، ويجوز أن يكون المعنى :
ولا تبطركم النعمة فتخرجكم عن طريق الاستقامة يمنة أو يسرة .
ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة تصريحا ، فأفهم النهي عن التفريط ، وهو النقص عن المأمور تلويحا من باب الأولى ، على ذلك مؤكدا تنزيلا لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال :
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ
قدم الظرف لما تقدم من تأكيد الإبصار
بَصِيرٌ *
ومادة « طغى » واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد مع العلو ، فالغطاء : ما ستر به الشيء عاليا عليه ، ولا يكون ساترا لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز حده ، وغطى الليل - إذا غشي ، وكل شيء ارتفع فهو غاط . وطغى السيل - إذا جاء بماء كثير ، والبحر : هاجت أمواجه ، والطغيان : مجاوزة الحد في العصيان ، والغائط والغيط : المطمئن من الأرض ، لأن ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة كانت لا تزال ريّا فيعلو ما نبت فيها ويخصب فيتجاوز الحد في ذلك ، ومنه الغوطة - لموضع بالشام كثير الماء والشجر .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 113 إلى 117 ]
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ( 114 ) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 115 ) فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 ) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 )
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 6943 و 3852 وأبو داود 2649 والنسائي 8 / 204 وابن حبان 2897 و 6698 والطبراني 4 / ( 3638 ) و ( 3639 ) و ( 3640 ) والبيهقي 6 / 5 وأحمد 5 / 109 و 110 و 111 و 6 / 395 كلهم من حديث خباب بن الأرت .