تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
ولما نهي عن الإفراط في الدين ، أتبعه النهي عن التفريط بالتقصير فيه بسفول الهمم على وجه عام ، وكان الحب في اللّه والبغض منه أوثق عرى الإيمان ، إشارة إلى ضده الذي هو من أوثق عرى الشيطان فقال :
وَلا تَرْكَنُوا
أي شيئا من ركون ، وقال :
إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي وجد منهم الظلم ولم يقل الظالمين ، أي بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو بالرضى بها والتشبه بهم والتزيّي بزيهم ، وحاصل الآيتين : لا تظلموا بأنفسكم ولا تستحسنوا أفعال الظالمين ، وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير ، وهو حسن من جهة المعنى لكني لم أره لغيره من أهل اللغة ، وقال الرماني - وهو أقرب : الركون : السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه ، ونقيضه النفور عنه . وهو على التفسير الثاني في
تَطْغَوْا
من عطف الخاص على العام ، والآية ملتفتة إلى قوله تعالى
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
أي فتسبب عن ركونكم إليهم مسّها لكم فلا تقدروا على التخلص منها بنوع حيلة من أنفسكم ؛ ومن إجلال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إفراده بالخطاب في الأمر بأفعال الخير ، والإتيان بضمير الجمع في النهي عن أفعال الشر - نبه على ذلك الإمام أبو حيان . ولما كان كل موجود سوى اللّه في قهره وتحت أمره ، قال تعالى :
وَما لَكُمْ
ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا يحصيه غيره سبحانه ، أدخل الجار تبعيضا فقال :
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي الملك الأعظم ، وأعرق في النفي فقال :
مِنْ أَوْلِياءَ
أي يخلصونكم من عذابه لما تقرر أن
دُونِ
من الأدون وهو الأقرب إلى جهة السفل ؛ والولي : المختص بأن من شأنه تولي المعونة عند الحاجة ، وأشار إلى أن نصر من لا ناصر له من اللّه محال بأداة البعد وبناء الفعل للمفعول فقال :
ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ *
أي ثم إذا فإنكم هذا وذاك فما أبعدكم من النصرة ! ولما كان العلم حاصلا بما سبق من الحكم من أن الآدمي محل العجز والتقصير ، أتبع ذلك بأعلى مكفر لما يوجبه العجز ويقضي به الفتور والوهن من الصغائر وأعمه وأجلبه للاستقامة ، وذلك يدل على أنها بعد الإيمان أفضل العبادات ، فقال تعالى :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
أي اعملها على استواء
طَرَفَيِ النَّهارِ
بالصبح والعصر كما كان مفروضا بمكة في أول الأمر قبل الإسراء ، ويمكن أن يراد مع ذلك الظهر لأنها من الطرف الثاني
وَزُلَفاً
أي طوائف ودرجات وأوقات ، جمع زلفة
مِنَ اللَّيْلِ
يمكن أن يكون المراد به التهجد ، فقد كان مفروضا في أول الإسلام ، ويمكن أن يراد المغرب والعشاء مع الوتر أو التهجد ؛ ثم علل ذلك بقوله :
إِنَّ الْحَسَناتِ
أي الطاعات كلها الصلاة وغيرها المبنية على أساس الإيمان
يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
أي الصغائر ، وأما الكبائر