ولما لم يسبقه يوم اجتمع فيه جميع الخلق من الجن والإنس والملائكة وجميع الحيوانات أحياء ، كان ذلك مسوغا لأن تعد شهادة غيره عدما فقال تعالى :
وَذلِكَ
أي اليوم العظيم
يَوْمٌ مَشْهُودٌ *
أي هو نفسه لهم ولغيرهم من جميع الخلق ، فيكون تنوينه للتعظيم بدلالة المقام ، أو يكون المعنى أنه أهل لأن يشهد ، وتتوفر الدواعي على حضوره لما فيه من عجائب الأمور والأهوال العظام والمواقف الصعبة ، فلا يكون ثم شغل إلا نظر ما فيه والإحاطة بحوادثه خوف التلاف ورجاء الخلاص ؛ والآية : العلامة العظيمة لما فيها من البيان عن الأمر الكبير ؛ والخوف : انزعاج النفس بتوقع الشر ، وضده الأمن وهو سكون النفس بتوقع الخير ؛ والعذاب : استمرار الألم .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 104 إلى 107 ]
وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ( 104 ) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ( 105 ) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 )
ولما تقدم قولهم
ما يَحْبِسُهُ
كان كأنه قيل في الرد عليهم : نحن قادرون على تعجيله ، وهو - كما أشرنا إليه في هذه الآية - عندنا متى شئنا في غاية السهولة :
وَما نُؤَخِّرُهُ
أي اليوم أو الجزاء مع ما لنا من العظمة والقدرة التامة على إيجاده لشيء من الأشياء
إِلَّا لِأَجَلٍ
أي لأجل انتهاء أجل
مَعْدُودٍ *
سبق في الأزل تقديره ممن لا يبدل القول لديه وكل شيء في حكمه ، فهو لا يخشى الفوت ؛ ومادة « أجل » بتراكيبها الأربعة : أجل وجأل وجلأ ولجأ تدور على المدة المضروبة للشيء ، فالأجل - محركة :
مدة الشيء وغاية الوقت في الموت وحلول الدين من تسمية الجزء باسم الكل ، والتأجيل : تحديد الأجل ، ويلزمه التأخير ، ومنه أجل الشيء كفرح - إذا تأخر ، والآجلة :
الآخرة ، وأجل الشيء - بالفتح : حبسه ومنعه ، لأن الأجل حابس ومانع للمؤجل ، ومنه أجلى كجمزى ، وهو مرعى لهم معروف كأنه لحسنه يحبس الراعي فيه ، وأجل الشر عليهم : حناه وأثاره وهيجه ، ولأهله : كسب وجمع واحتال ، لأن ذلك كله من لوازم ذي الأجل ، أو المعنى أنه أوجد أجل ذلك ، وكمقعد ومعظم : مستنقع الماء ، لأنه محيط به إحاطة الأجل بالمؤجل ، وأجله فيه تأجيلا : جمعه فتأجل ، والمأجل : الحوض يحبس فيه الماء ، وأجلوا ما لهم : حبسوه في المرعى ، والاجل - بالكسر : قطيع من بقر الوحش ، تشبيها له في اجتماعه من حيث إنه أحصن له بالأجل لأنه - كما قيل - حصن حصين ، والاجل - بالكسر أيضا : وجع في العنق ، لأنه من أسباب حلول الأجل ، وأجله : داواه منه ، وبالضم جمع أجيل للمتأخر وللمجتمع من الطين يجعل حول النخلة ، لإحاطته بها إحاطة الأجل وتحصينه لها ، وتأجل القوم : تجمعوا ، لأن التجمع